بشارة جمعة أرور الراهن السياسي المنبعج حقيقة ما يجري في التحالفات والتكتلات السياسية
بشارة جمعة أرور الراهن السياسي المنبعج حقيقة ما يجري في التحالفات والتكتلات السياسية

بشارة جمعة أرور
الراهن السياسي المنبعج
حقيقة ما يجري في التحالفات والتكتلات السياسية
__________________
“هذا الواقع المتشابك والملبد بغيوم تداخل المصالح وتنافر التكتلات، لم يُفرز فقط تكتلات هشة قابلة للتفكك عند أي منعطف أو ظرف طارئ، بل ساهم أيضاً في إطالة أمد الأزمات وتعقيد مسارات التوافق الوطني، حتى صارت السياسة مجرد ردود أفعال.”
تمثل إمكانيات التنمية البشرية ومشروعات التغيير والإصلاح منظومة متكاملة من المميزات الضرورية للسودان، الذي يتمتع بالعديد من الميزات التفضيلية مثل موقعه الاستراتيجي وغناه بالموارد الطبيعية وتنوعه الثقافي والاجتماعي إضافة إلى قدراته الشبابية والطاقة الإبداعية الكامنة في مجتمعه…، ورغم أن الحركة السياسية السودانية تعكس تنوعاً غنياً في ذاتها،فإن توظيف هذا التنوع بشكل حكيم كان يمكن أن يصبح رافعة استراتيجية لبناء الدولة الوطنية الحديثة.
إلا أن هذا التنوع، الذي كان يفترض أن يكون مصدر قوة وثراء سياسي، ظل بفعل الاختلالات التأسيسية الفكرية ومخلفات الأيديولوجيات التي انتهت صلاحيتها في المنهج السياسي، يتحول إلى عامل تشتت واضطراب مزمن، بل صار أوراماً سياسية خبيثة تُعد من أكبر أسباب إطالة أمد الأزمات وتعقيد مسارات الانتقال والتحول.
وبما كانت هناك محاولات للحكومات المتعاقبة لتقييد النشاط السياسي وشل حيويته أو إعادة صياغته داخل أطر بيروقراطية خاضعة لإشراف السلطة وأفكارها وبرامجها، فإن ذات النموذج ظل يتكرر…، ولكن الوعي السياسي وسط القواعد والجماهير ظل محتفظاً بتوقده وحيويته رغم كل ذلك دون أن ينسى أو يمحو تلك المحاولات من الذاكرة الجماعية، ويبرز ذلك في تناول القضايا الوطنية والتعامل بالمصداقية في النقاشات المفتوحة وتداول الأخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يعكس إدراك الجماهير لطبيعة الحراك السياسي ومعرفته بالقوى السياسية ومستوى تفاعلها ومدى ارتباطها المباشر بقضايا الشعب والوطن.
ولكن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا الوعي الشعبي والجماهيري الكبير لم يقابله تطور مماثل في البنية القيادية والتنظيمية للقوى السياسية سابقاً والآن، فالتقليدية منها ظلت في كثير من الأحيان أسيرة عقلية النخب المغلقة وحسابات مصالح البيوتات والطوائف، أما الحالية صارت لها مصالح تجاوزت حدود أسلافها…
ومعلوم أن أحزاباً بعينها هيمنت على المشهد السياسي خلال الخمسينات والستينات والسبعينات وحتى ثمانينات القرن، ولا تزال حتى اليوم رغم تشظيها وتفتتها تسعى لاستعادة نفوذها المزعوم ومجدها الآفل، لكنها غالباً تفعل ذلك بذات الأدوات القديمة وبالعقلية التي أخفقت تاريخياً في بناء دولة حديثة مستقرة، بل وتعيد إنتاج ذات الأزمات التي قادت إلى الانقلابات والحروب والانقسامات.
وبالطبع في هذه السردية التاريخية نحاول أن ننعش ذاكرة القارئ والشعب فقط ولا نقلل بذلك من شأن أي حركة أو حزب أو قوة سياسية، سواء كانت تقليدية أو حديثة، في السلطة أو خارجها، متسللة كانت أو متخفية وربما باسم مستعار، وبنفس القدر لا ننكر أهمية التحالفات والكتل السياسية كآليات للعمل الجماعي، غير أن المسؤولية الأخلاقية والواجب الفكري والسياسي يفرض علينا أن نضع الرأي العام أمام حقيقة ما يجري داخل هذه التكوينات، وطبيعة العمل فيها، ومستويات الفهم والإدراك السياسي لدى قياداتها، ومدى انشغالها الفعلي بقضايا الشعب والدولة بعيداً عن الشعارات العامة والخطابات الإنشائية التي لا تسندها برامج قابلة للتنفيذ أو رؤى استراتيجية طويلة الأمد.
إن إطلاق مسميات مثل تحالف أو كتلة أو تنسيقية أو تيار، في كثير من الأحيان، لا يتجاوز كونه إطاراً هلامياً فضفاضاً تستظل به قيادات أجسام سياسية وتنظيمات شبه سياسية، صعدت عبرها إلى سلم السلطة والمجد، ووصلوا إلى مواقع تتيح لهم قدراً كبيراً من الادعاء بتحمل المسؤولية الوطنية والانضباط السياسي، وتضخيم الصورة الذاتية كلما تدرجوا في مراتب النفوذ وجمع النقود، وعلى الرغم من رفع الشعارات الوطنية فإن المناورات والتكتيكات التي يعتمدونها كثيراً ما تفضح حقيقة الأهداف والمقاصد المستبطنة في أقرب سباق نحول السلطة وتقاسم الكيكة، ويتجلى ذلك في التحالفات التي تُعقد وتُحل وفق مقتضيات الظرف والمرحلة في اللحظة المتاحة وحسابات المصالح عبر الصداقات الموسمية، التي لم تُبنى وفق أسس فكرية أو برامجية أو تعاقدات سياسية مؤسسية.
وتتخذ الخلافات داخل هذه التكوينات صوراً وأشكالاً متعددة يصعب وصفها لأنها تتبدل بتبدل المنعطفات والتقديرات الظرفية والمواقف السياسية والاجتماعية ولو نقل المشهد بكلياته إلى المواطن والشارع سيصاب بشيء من الدهشة والذهول…، وغالباً ما تكون الخلافات حول المواقع والنفوذ أكثر من كونها خلافات فكرية أو برامجية أو رؤيوية حول المبادئ الأساسية والقيم.
واليوم يبدو المشهد وكأننا أمام مجموعات صيادين اجتمعوا حول بركة ماء بينما كانوا عابرين، حينها يتجاوزون تناقضاتهم مؤقتاً حين تلوح فرص المنافع، ثم يعودون إلى تناحرهم القديم بمجرد تغير الظروف.
وفي كثير من الأحيان يصور قادة هذه التكوينات أنفسهم باعتبارهم أصحاب الريادة والقيادة بل السيادة الوطنية في هذه المرحلة التاريخية المعقدة، بينما لا يجمعهم في الواقع سوى لحظات الطوارئ وفترات اشتداد الحراك السياسي داخلياً وخارجياً، وعند مواسم تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب العليا ولجان التكليف المؤقتة لمناقشة التصورات التي لا تتجاوز قاعات وترابيز الاجتماعات وميكروفونات القنوات الفضائية، وكأن السياسة في السودان ما زالت تُدار بمنطق الغنيمة التي كانت في سابق العهود، لا بمنطق المحك التاريخي الصعب وفي ظل حرب لا سابق ولا مثيل لها.
أبداً، لا نرغب في مضاعفة معاناة الشعب السوداني ولا نريد أن نزيد الآلام والأوجاع عليهم، ولكن يحتم علينا الواجب الأخلاقي والسياسي أن ننقل شيئاً من الحق، ولو كان من النزر القليل، ومن التي واللتيا، لنبرئ ذمتنا وساحتنا، ونقول الحق ولو على أنفسنا، فذاك عين التقوى، ولا يجرمنّا شنآن قوم.
ونذكر هنا بعض الأمثلة والنماذج لحالات التكتلات والتحالفات والتنسيقيات التي انقسمت وتشظّت، وكلها نتجت في أعقاب حرب الخامس عشر من أبريل، حيث شهدت الساحة السياسية موجة غير مسبوقة من الحراك السياسي، وميلاد التكوينات والتحالفات والتنسيقيات والمواثيق…، وكان من بين ذلك سلسلة من الورش والمنتديات والجولات واللقاءات، أبرزها ورشة القاهرة في فبراير 2023م، ثم مرحلة تكوين الأجسام السياسية في شكل تكتلات وتيارات وتنسيقيات، بدءًا بإعلان أسمرا في إريتريا وتوقيع الوثيقة السياسية للقوى السودانية الوطنية الديمقراطية في سبتمبر 2023م، وتنسيقية القوى الوطنية (إعلان بورتسودان) في نوفمبر 2023م، والجبهة الوطنية السودانية بقيادة الناظر ترك في ديسمبر 2023م، وميثاق السودان (قوى ميثاق السودان) في مايو 2024م، وصولًا إلى القوى الوطنية السياسية والمجتمعية (قواسم) في فبراير 2025م، التي قدمت رؤية لرئيس مجلس السيادة.
ورغم اختلاف المسميات واللافتات، فإن القاسم المشترك بينها يكمن في غياب الالتزام بالمبادئ، وفقدان المنهج المؤسسي، وعدم وجود رؤية استراتيجية جامعة، إضافة إلى عدم الالتزام والاحترام لما تم التوافق عليه، وسيادة الحسابات التكتيكية والاصطفافات الظرفية على حساب المشروع الوطني…، لذلك يشاهد المواطن اليوم، في مشروع السينما السياسية المتجولة, فيلماً سياسياً هزلياً تهريجياً بعنوان: ( الأزمة تُعاد صياغتها بأسماء جديدة )، دون أي معالجة لجذور المشكلات الفكرية والسياسية والمؤسسية، ليُعاد عرضه غداً في منطقة أخرى أمام جمهور جديد.
أما اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات فحدث ولا حرج، فقد توزعت جغرافياً بين سويسرا والرياض والبحرين وإثيوبيا وكينيا وتشاد ومصر وجنوب السودان وفرنسا وبريطانيا وجيبوتي وإريتريا وغيرها. ففي فبراير 2024م استضافت جوبا اجتماعات تشاورية مكثفة بين قوى سياسية ومدنية سودانية، وفي يوليو 2024م استضافت القاهرة مؤتمر ( القوى السياسية والمدنية السودانية ) بهدف تقريب وجهات النظر، كما ظهرت تشكيلات معارضة بالخارج مثل تقدم وصمود وتأسيس وهلم جرا، ومع كثافة التحركات والاجتماعات واللقاءات في الأماكن المتعددة والأزمنة المختلفة والزخم الإعلامي الكبير وضجيج الحنك السياسي الشديد لم ينعكس ذلك في كثير من الأحيان في عمق المضمون، إذ ظلت غالبية هذه الفعاليات تدور حول إعادة ترتيب مواقع القوى السياسية، وتبادل البيانات والمذكرات وبعض الشيء من الاعتراف بالمشروعية والشرعية، أكثر من صياغة مشروع وطني جامع يعالج جذور الأزمة السودانية في الحكم والدولة والهوية والتنمية والعدالة الاجتماعية…إلخ.
إن العيب والفضيحة في المشهد السياسي السوداني ليسا مجرد تعدد الكيانات أو اختلاف الأسماء، بل يكمنان في عدم الالتزام بالمبادئ، وتراجع الرؤية الاستراتيجية، واستمرار الممارسات التكتيكية التي تحيد بالمشروع الوطني عن مساره.
فالمشكلة الحقيقية ليست في تعدد التنظيمات، بل في افتقارها للإرادة والجرأة على الثبات على الحق، والتمسك بالمبادئ، والتزامها بمسؤولية صياغة المشروع الوطني المتفق عليه، وتحمل المسؤولية الوطنية، والتبعات المترتبة على المواقف الصادقة والقرارات السياسية الصحيحة.
وبناءً على ذلك، يمكن القول بكل صدق وصراحة إن التنظيمات والتحالفات والتكتلات والتيارات والتنسيقيات التي تقوم على تكتيك اللحظة، أو تبني مصالحها على الأسس البينية والظرفية، لن تكون قادرة على إنتاج مشروع وطني حقيقي، ولا على بناء دولة مستقرة، ولن تستطيع أن تحقيق تحول ديمقراطي مستدام، فغياب المنهجية والمؤسسية، والتخلي عن الالتزام والاحترام لما تم التوافق عليه، وسيادة الحسابات الضيقة على المشروع الوطني، كلها عوامل تجعل من التجربة السياسية السودانية كسراً دائرياً متكرراً من الأزمات، تُعاد فيها الصياغة بأسماء جديدة وعناوين جوفاء أو مستوحاة من المصطلحات والمقاولات، دون أي معالجة لجذور المشكلات الفكرية والسياسية والمؤسسية.
والتحدي الحقيقي الآن يكمن في الانتقال من عقلية التحالف التكتيكي إلى عقلية المشروع الوطني، ومن منطق اقتسام السلطة ومقاعد المجلس التشريعي الانتقالي إلى الإجماع حول رؤية وطنية ومنطق بناء الدولة، ومن السياسة مفهوم مهنة التكسب والوصول للمناصب إلى السياسة بوصفها تحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية تجاه شعب يعاني من الحرب والانقسام والانهيار الاقتصادي والمؤسسي.
ما قصدناه بهذا النزر القليل ما هو إلا محاولة إيقاظ الضمائر وتحريك القلوب وفتح العقول وتسليط الضوء وكشف النقاب عن عيوب وفضائح المشهد السياسي السوداني، وكشف البنية العميقة للاختلال في منهج تكوين التحالفات والتكتلات والتيارات والتنسيقيات السياسية في السودان.
هذا الجهد يحتاج إلى مزيد من التوثيق والتفصيل لتكتمل الصورة وتتضح الرؤية وتصل الرسالة لكل سوداني حر وغيور.
فالذي يهادن ويجامل لا يستطيع وضع الإصبع على جوهر الأزمة، لأن سياسة بلا رؤية استراتيجية، وتحالفات بلا مشروع وطني، وتكاثر تنظيمي في دولة منهكة في هذه المرحلة المفصلية، لا يمكن السكوت عنها، ولا يعقل أو يُقبل أن يُمارس في حق البلاد والعباد التجريب العبثي بعد كل هذه المآسي والمعاناة…، بل تتطلب هذه المرحلة منا جميعاً شجاعة وجسارة، وإرادة جماعية فكرية وسياسية، تؤسس لعقد وطني جديد يعبد طريق السياسة لتكون أداة لبناء الدولة، لا ساحة لتقاسم الغنائم وتبادل المصالح.
في مشهدنا السياسي الماثل، كما تصفه أمثالنا الشعبية السودانية، قالوا : الطايرات يجيبنو للراكات؛ فالطايرات هي الغزلان الشاردة التي تجلب الصيادين إلى ساحة الراكات، أي الصيد تحت الشجرة.
وهنا تتحول الراكات أي القوى السياسية إلى قلب ما يصلها من أخبار ومعلومات عن المجلس التشريعي الانتقالي إلى جدال ومنازعات بينما يظل المجلس التشريعي الانتقالي غزالاً في الأفق بعيداً جداً وربما لن يتشكل حتى منتصف العام أو أبعد، تاركاً المشهد السياسي المنبعج والمليء بالضوضاء في دائرة من التحركات الفارغة والمناورات العبثية والتصريحات التي لا قيمة ووعود لا تسمن ولا تغني من جوع، بينما الشعب يراقب ويترقب متشبثاً ببصيص أمل ضئيل وسط المهزلة السياسية المستمرة والاستهتار الفاضح.




