
عباس إدريس جعفر يكتب..
إيّاكِ أعني… يا هذا
(عندما تصمت السياسة وتتحدّث الإنسانية)
تنازلوا قليلًا عن وهم إصلاح الناس، وابدؤوا بإصلاح أنفسكم؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن لم يقم ميزان العدل حساس في داخله، لن ولم ، يقيمه في مجتمعه.
لا تتوهّموا أن الدين مجرّد طقوسٍ تؤدّى، أو شعائر تُستعرض. فالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والشهادة فرائض عظيمة، نعم، لكنّها لا تبلغ مرادها الحقيقي ما لم تُترجم إلى سلوك قويم، وعدلٍ ناصع، وضميرٍ حي. العبادة التي لا تُثمر أخلاقًا، ولا تُهذّب نفسًا، ولا تكفّ أذى، هي عبادة ناقصة الأثر، ضعيفة الحجة.
ما قيمة صلاةٍ تُقام، ولسان صاحبها ينهش في أعراض الناس؟
وما جدوى صيامٍ يُؤدّى، ويدُ الصائم ممدودة بالظلم، أو قلبه عامر بالحقد؟
وما معنى حجٍّ يتكرّر، إن لم يترك في النفس أثر الرحمة، وفي السلوك بصمة العدل؟
ليس الدين صورة كعبة تُعلّق على الجدران، ولا مصحفًا يُزيّن السيارات، ولا آيةً تُكتب على اليافطات، ولا سبحةً تُدار بين الأصابع. فهذه مظاهر، قد تَصدق وقد تخدع. إنما الدين حقيقةٌ تُعاش، وقيمةٌ تُمارس، ومنهج حياةٍ يتجسّد في تفاصيل السلوك اليومي.
الدين استقامة قبل أن يكون شعيرة، وعدل قبل أن يكون شعارًا، وصدق قبل أن يكون خطابًا. هو رحمةٌ في التعامل، وأمانةٌ في المسؤولية، وإنصافٌ في الخصومة، وحفظٌ للسان عن الكذب والغيبة والبهتان. هو أن تكون إنسانًا سويًّا، قبل أن تكون متديّنًا في أعين الناس.
وحين تتحوّل السياسة إلى ساحة للمزايدة الأخلاقية، وتُختطف القيم لتُستعمل وقودًا للصراع، يصبح واجب الإنسانية أن ترفع صوتها عاليًا: كفى نفاقًا باسم الدين، وكفى توظيفًا للمقدّس في خدمة المصالح.
فالدين الذي لا ينتصر للضعفاء، ولا يقف في صف المظلومين، ولا يردع الظالمين، ليس دين الله، بل قراءة مشوّهة له. والسياسة التي لا تُبنى على الأخلاق، ولا تُضبط بميزان القيم، ليست إدارةً للشأن العام، بل إدارةٌ للأهواء.
إن معركة الإصلاح الحقيقية لا تبدأ من المنابر، ولا من المنصّات، بل من داخل النفوس. هناك فقط يُبنى الإنسان، وبصلاحه يصلح المجتمع، وتستقيم الدولة.
بقلم عباس ادريس جعفر




