مقالات

عباس إدريس جعفر يكتب.. إذا كانت المناصب تُقسَّم كالغنائم، والحقوق تُسرق بقوة القانون، والعدالة تُفصَّل على مقاس الأقوياء… فاعلم أن الدولة خلعت ثوب الهيبة وارتدت قناع العصابة

عباس إدريس جعفر يكتب.. إذا كانت المناصب تُقسَّم كالغنائم، والحقوق تُسرق بقوة القانون، والعدالة تُفصَّل على مقاس الأقوياء… فاعلم أن الدولة خلعت ثوب الهيبة وارتدت قناع العصابة

عباس إدريس جعفر يكتب.. إذا كانت المناصب تُقسَّم كالغنائم، والحقوق تُسرق بقوة القانون، والعدالة تُفصَّل على مقاس الأقوياء… فاعلم أن الدولة خلعت ثوب الهيبة وارتدت قناع العصابة

حين تتحول المناصب العامة إلى غنائم حرب، وتُدار مؤسسات الدولة بعقلية “من غلب سلب”، فذلك إعلان صريح بانهيار فكرة الدولة نفسها، لا مجرد خلل إداري عابر. الأخطر من الفساد، هو شرعنته. والأكثر فداحة أن يتم ذلك باسم القانون، وتحت لافتة “الإصلاح” و“التنظيم”.
ما يحدث داخل مفوضية العمل الطوعي الإنساني لا يمكن وصفه إلا كصورة مكثفة لانحراف الدولة عن مسارها الطبيعي. مؤسسة كان يفترض أن تكون ضمير المجتمع، وجسر الرحمة بين الدولة والمواطن، تحولت – في نظر كثيرين – إلى أداة إقصاء، ومزرعة نفوذ، ومنصة لتصفية الحسابات، وإعادة توزيع الامتيازات على أساس الولاء لا الكفاءة.
حين تُهمَّش منظمات فاعلة، وتُجمد ملفاتها بلا أسباب قانونية واضحة، بينما تُفتح الأبواب على مصاريعها لمن لا يملكون تاريخاً ولا سجلاً ولا مصداقية، فهذه ليست إدارة… هذا سطو منظم.
وحين يصبح “القانون” سيفاً مسلطاً على الضعفاء، ودرعاً واقياً للأقوياء، فاعلم أن العدالة قد غادرت المبنى منذ وقت طويل.
الدولة لا تُقاس بعدد اللوائح ولا كثرة التواقيع، بل بمدى شعور المواطن – والمنظمة – بالأمان القانوني. وعندما يفقد الفاعلون في العمل الإنساني هذا الأمان، وتصبح المفوضية نفسها مصدر تهديد بدل أن تكون مظلة حماية، فإننا أمام كارثة أخلاقية قبل أن تكون إدارية.
العمل الطوعي لا يُدار بعقلية الأجهزة، ولا يُخضع بمنطق التعليمات الفوقية، ولا يُختزل في “ختم” أو “تصديق”. إنه شراكة، وثقة، ومسؤولية وطنية. وكل محاولة لتحويله إلى أداة سيطرة سياسية أو اقتصادية، هي طعنة مباشرة في قلب المجتمع المنهك أصلاً بالحرب والفقر والنزوح.
إن أخطر ما تمر به الدول ليس سقوط الحكومات، بل سقوط المعايير.
وعندما تصبح المفوضيات واجهات، واللوائح أقنعة، والقانون عصاً بيد المتنفذين، فاعلم أن الدولة لم تعد دولة… بل عصابة ترتدي بدلة رسمية.
والتاريخ لا يرحم.
والشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى