اعمدة ورأي

اليوم العالمي للعمل الإنساني 2026م “من التضامن إلى التمكين: حين يصبح المجتمع المحلي خط الدفاع الأول عن الإنسانية” بقلم :مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني أغسطس ٢٠٢٦م

اليوم العالمي للعمل الإنساني 2026م "من التضامن إلى التمكين: حين يصبح المجتمع المحلي خط الدفاع الأول عن الإنسانية" بقلم :مرتضى عبدالحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني أغسطس ٢٠٢٦م

اليوم العالمي للعمل الإنساني 2026م

“من التضامن إلى التمكين: حين يصبح المجتمع المحلي خط الدفاع الأول عن الإنسانية”

بقلم : د .مرتضى عبدالحي محمد أحمد
باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني
أغسطس ٢٠٢٦م

مقدمة

يومٌ للإنسانية… لا للاحتفال فقط

في 19 أغسطس من كل عام يحتفي العالم باليوم العالمي للعمل الإنساني؛ ذلك اليوم الذي لم يولد من مناسبة احتفالية وإنما من مأساة إنسانية خلّفت وراءها أسئلة لا تزال مفتوحة حول معنى التضامن وحماية المدنيين وسلامة العاملين في المجال الإنساني.

ففي 19 أغسطس 2003 تعرض مقر الأمم المتحدة في فندق القناة ببغداد لهجوم أسفر عن مقتل 22 شخصًا من بينهم ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق سيرجيو فييرا دي ميلو. وبعد خمس سنوات اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 63/139 في ديسمبر 2008 الذي أقرّ 19 أغسطس يومًا عالميًا للعمل الإنساني تخليدًا لمن فقدوا حياتهم وهم يؤدون واجبهم الإنساني وتعزيزًا للوعي بأهمية العمل الإنساني والتعاون الدولي.

وفي تقديري أن يأتي القرار متأخرًا خيرٌ من ألّا يأتي لكن في العمل الإنساني تحديدًا قد يكون ثمن التأخير حياةَ إنسان أو نزوحَ أسرة أو ضياعَ فرصة كان يمكن أن تمنع كارثة؛ ولذلك فإن الإنسانية لا تحتاج إلى قرارات تأتي بعد فوات الأوان بقدر ما تحتاج إلى تضامنٍ استباقي واستجابةٍ سريعة وإرادةٍ تحضر في الوقت المناسب.

ومنذ ذلك التاريخ لم يعد هذا اليوم مجرد مناسبة لتكريم العاملين في الإغاثة بل أصبح مساحة عالمية للتذكير بأن الإنسانية لا تُختبر في أوقات الرخاء وإنما عندما يصبح الوصول إلى الإنسان المحتاج محفوفًا بالخطر وعندما يصبح تقديم المساعدة فعلًا من أفعال الشجاعة.

وفي عام 2026م يأتي اليوم العالمي للعمل الإنساني تحت شعار:

««تعزيز التضامن العالمي وتمكين المجتمعات المحلية»»

وهو شعار يحمل في جوهره رسالة شديدة الأهمية: لا يمكن بناء استجابة إنسانية فعالة ومستدامة من الخارج وحده؛ فالمجتمع المتأثر بالأزمة هو في الغالب أول من يستجيب وأسرع من يصل وأكثر معرفة باحتياجاته وأولوياته.

وهنا تحديدًا تتقاطع الرسالة العالمية لهذا العام مع واقع السودان بصورة لا تحتمل التجاهل.

السودان: حيث لم يعد الإنسان ينتظر وصول المساعدة

بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان لم تعد الأزمة الإنسانية حدثًا طارئًا يمكن التعامل معه بمنطق الإغاثة التقليدية بل تحولت إلى واقع ممتد أعاد تشكيل حياة الملايين ودمّر سبل العيش وأضعف الخدمات الأساسية ودفع أعدادًا هائلة من السكان إلى النزوح المتكرر.

وفي أبريل 2026م قدّرت الأمم المتحدة أن نحو 34 مليون شخص في السودان بحاجة إلى مساعدات إنسانية فيما أكدت أن الاستجابة الإنسانية لا تزال تعاني من نقص حاد في التمويل. وفي عام 2025 استطاع العاملون في المجال الإنساني الوصول إلى نحو 17 مليون شخص بينما تستهدف خطة 2026 الوصول إلى 20 مليون شخص في ظل احتياجات هائلة وموارد محدودة.

لكن الأرقام مهما بلغت دقتها لا تستطيع وحدها أن تصف حجم المأساة.

فوراء كل رقم أسرة تركت منزلها وطفل انقطع عن المدرسة وأم تبحث عن الدواء ومريض ينتظر خدمة صحية ومزارع فقد مصدر رزقه ونازح ولأجئ ومهاجر يعيش في ظروف لا تليق بكرامة الإنسان.

وفي السودان لم ينتظر المجتمع المحلي وصول العالم إليه.

لقد بدأ الاستجابة بنفسه.

التكايا والمطابخ المجتمعية والمبادرات الشبابية وغرف الطوارئ والمتطوعون والمجالس المجتمعية والقيادات المحلية والمبادرات النسائية والمساجد والروابط الشعبية والمنظمات القاعدية والوطنية؛ كلها أصبحت أجزاء من شبكة استجابة إنسانية نشأت في قلب الأزمة.

وهذا هو المعنى الحقيقي للشعار العالمي: المجتمع المحلي ليس مجرد مستفيد من المساعدة؛ إنه شريك في إنتاج الحل.

من «المستفيد» إلى «المستجيب»

ربما آن الأوان لإعادة النظر في بعض المصطلحات التي رسختها الممارسة الإنسانية التقليدية.

فالمواطن الذي يطبخ الطعام للنازحين ليس «مستفيدًا» فقط.

والشاب الذي يحمل الدواء إلى حي محاصر ليس مجرد «متطوع».

والمرأة التي تنظم مأوى للنازحين ليست مجرد «عضو مجتمع».

والطبيب الذي يعمل بإمكانات محدودة في منطقة نزاع ليس مجرد «مقدم خدمة».

هؤلاء مستجيبون أوائل.

وهذه التسمية ليست تفصيلًا لغويًا؛ لأنها تعكس تحولًا جوهريًا في النظرة إلى المجتمعات المتأثرة بالأزمات.

ففي كثير من الحالات يصل المجتمع المحلي إلى الإنسان المحتاج قبل أن تصل المنظمات الدولية ويعرف الطريق إليه قبل أن تتوفر المعلومات الرسمية ويدرك طبيعة احتياجه بصورة أكثر واقعية من أي تقييم سريع يُجرى من خارج المجتمع.

ولهذا فإن تمكين المجتمعات المحلية لا يعني فقط تدريبها أو إشراكها في تنفيذ بعض الأنشطة وإنما يعني منحها مساحة حقيقية في تحديد الأولويات وصناعة القرار وإدارة الموارد وتصميم الحلول وقيادة الاستجابة حيثما كان ذلك ممكنًا.

المشكلة ليست في غياب السودانيين عن العمل الإنساني

المفارقة التي ينبغي أن نتوقف عندها هي أن السودان يمتلك قاعدة واسعة من المتطوعين والمنظمات القاعدية و الوطنية والمبادرات المجتمعية ومع ذلك لا تزال مسألة التوطين الحقيقي للعمل الإنساني تواجه تحديات كبيرة.

فالمطلوب ليس أن تصبح المنظمات الوطنية مجرد ذراع تنفيذية لمشروعات صُممت في مكان آخر.

ولا أن تتحول المجتمعات المحلية إلى مصدر مجاني للمعرفة والوصول والجهد بينما تبقى القرارات والموارد الأساسية خارجها.

التوطين الحقيقي يبدأ عندما ينتقل المجتمع المحلي من هامش الاستجابة إلى قلبها.

وهذا يتطلب إعادة النظر في منظومة التمويل نفسها.

نحن بحاجة إلى تمويل أكثر مرونة وأسرع وصولًا وأكثر ملاءمة للسياق المحلي مع الاستثمار في القدرات المؤسسية للمنظمات الوطنية وليس التعامل معها فقط بوصفها قنوات لتنفيذ المشروعات.

فالاستدامة الإنسانية لا يمكن أن تُبنى على التمويل القصير الأجل وحده كما لا يمكن أن تستمر الاستجابة إذا ظلت قدرات المؤسسات المحلية ضعيفة أو مرتبطة بالكامل بدورات التمويل الخارجي.

عندما يصبح العامل الإنساني نفسه ضحية

لكن الحديث عن تمكين المجتمعات المحلية لا ينبغي أن يحجب الجانب الأكثر إيلامًا في واقع العمل الإنساني: العاملون أنفسهم أصبحوا عرضة للخطر.

السودان يقدم مثالًا صارخًا على ذلك.

ففي أغسطس 2025 أفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من 120 من العاملين في المجال الإنساني حكوميين وغير حكوميين قُتلوا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 وكان معظمهم من السودانيين مشيرة إلى تعرض العاملين للهجمات والاحتجاز والمضايقة والقتل.

وفي فبراير 2026 أشارت الأمم المتحدة إلى أن عشرات العاملين في المجال الإنساني تعرضوا خلال الأشهر السابقة للقتل أو الإصابة أو الاختطاف أو الاحتجاز إلى جانب تسجيل عشرات الهجمات على العاملين الصحيين والمرضى.

هذه ليست مجرد إحصاءات.

كل اسم من هذه الأسماء كان إنسانًا له أسرة وأحلام وحياة وربما كان يستطيع أن يختار مكانًا أكثر أمنًا لكنه اختار أن يبقى حيث يحتاجه الناس.

وحين يُقتل العامل الإنساني لأنه يحاول إنقاذ إنسان فإن الخطر لا يقع على شخص واحد فقط؛ بل يُضرب مبدأ الإنسانية نفسه.

القانون الدولي الإنساني ليس شعارًا

في اليوم العالمي للعمل الإنساني لا يكفي أن نقول: «احموا العاملين في المجال الإنساني».

ينبغي أن نقول بوضوح أكبر:

احموا المدنيين.

احموا المستشفيات والمدارس ومرافق المياه والأسواق والبنية التحتية المدنية.

احترموا العاملين والمتطوعين في المجال الإنساني.

افتحوا الممرات الإنسانية.

لا تستخدموا المساعدات الإنسانية أداة للصراع أو الابتزاز أو العقاب.

ولا تجعلوا وصول الغذاء والدواء والماء رهينة للمواقف العسكرية أو السياسية.

هذه ليست مطالب أخلاقية فحسب وإنما التزامات يفرضها القانون الدولي الإنساني.

وقد أكدت الأمم المتحدة مرارًا في سياق السودان ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة وسريعة ومن دون عوائق.

وإذا كان العالم جادًا في حماية العمل الإنساني فإن المطلوب ليس بيانات الإدانة بعد وقوع الكارثة وإنما الوقاية والمساءلة وإنهاء الإفلات من العقاب.

الفاشر نموذجًا: لا يجوز أن يصبح النزوح رقمًا

ولعل أكثر ما يكشف الحاجة إلى قراءة مختلفة للعمل الإنساني في السودان وهو ما حدث في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار من انتهاكات ومعاناة إنسانية واسعة النطاق… ويحدث في كردفان ودارفور.

نازحو الفاشر كنموذج ليسوا أرقامًا في تقارير المنظمات ولا مجرد «حالات» في جداول التوزيع.

إنهم بشر اقتُلعوا من بيوتهم وفقد بعضهم أفرادًا من أسرهم وتعرضوا للخوف والعنف والنزوح المتكرر ثم وجدوا أنفسهم يبحثون عن الأمان في مناطق تعاني هي الأخرى من محدودية الموارد.

وحين تستقبل منطقة مثل منطقة تُوَيْلَة بولاية شمال دارفور أعدادًا ضخمة من الفارين من الفاشر فإن الحديث عن «المستضيفين» و«النازحين» يصبح أكثر تعقيدًا؛ لأن المجتمعات المستضيفة نفسها تعاني من الفقر ونقص الخدمات والضغط على المياه والصحة والغذاء.

وقد أشارت الأمم المتحدة في مايو 2026 إلى أن تُوَيْلَة أصبحت واحدة من أكبر مراكز النزوح في دارفور وتستضيف أكثر من 715 ألف شخص فروا من الهجمات على الفاشر.

وهنا يجب أن نقول الأمر كما هو:

النازح من الفاشر لا يحتاج إلى الشفقة فقط؛ يحتاج إلى الحماية والكرامة والعدالة والوصول إلى الخدمات ويحتاج قبل كل شيء إلى أن تتوقف أسباب النزوح.

فالعمل الإنساني لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإدارة آثار الحرب إلى ما لا نهاية بينما تستمر أسبابها.

الإغاثة تنقذ الأرواح لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع السلام.

من الإغاثة إلى التعافي: السودان يحتاج إلى نموذج جديد

ومع اقتراب السودان من مرحلة ما بعد الحرب أو حتى وهو يحاول الانتقال تدريجيًا من الاستجابة الطارئة إلى التعافي فإن استمرار التفكير بعقلية «الإغاثة فقط» سيكون خطأ استراتيجيًا.

نحن بحاجة إلى الانتقال:

من الإغاثة إلى التعافي.

من المستفيد إلى الشريك.

من الاستجابة المتأخرة إلى الاستجابة الاستباقية.

من الاعتماد إلى التمكين.

ومن المشروعات المنفصلة إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للإسناد المدني والتعافي المجتمعي.

وهذا يعني الاستثمار في المنظمات القاعدية والوطنية وتطوير قدرات المتطوعين وبناء نظم معلومات محلية وتعزيز إدارة الكوارث وربط العمل الإنساني بالتنمية وإشراك القطاع الخاص والجامعات والمجالس المحلية والنساء والشباب والقيادات المجتمعية في صناعة الحلول.

فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من المشروعات القصيرة التي تنتهي بانتهاء التمويل بقدر حاجته إلى بناء قدرة مجتمعية ومؤسسية تستطيع الصمود أمام الأزمات والاستجابة لها والتعافي من آثارها.

التضامن العالمي: المال وحده لا يكفي

الشعار العالمي يتحدث عن «تعزيز التضامن العالمي»، وهذا التضامن ينبغي أن يتجاوز البيانات والمواقف السياسية.

ففي السودان لا تزال الفجوة بين حجم الاحتياجات وحجم التمويل كبيرة. وفي يوليو 2026 أشارت الأمم المتحدة إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 التي تتطلب نحو 2.9 مليار دولار للوصول إلى أكثر من 20 مليون شخص كانت قد تلقت نحو 930 مليون دولار فقط أي أقل من ثلث المطلوب.

وهنا يجب أن نطرح سؤالًا أكثر عمقًا:

هل التمويل الإنساني العالمي يواكب فعلًا حجم الأزمات التي يعلن العالم تضامنه معها؟

التضامن الحقيقي يعني تمويلًا كافيًا ومرنًا وفي الوقت المناسب.

ويعني عدم إرهاق المنظمات الوطنية بإجراءات بيروقراطية تجعل وصول الموارد أبطأ من وصول الأزمة.

ويعني الاستثمار في القدرات المحلية بدل الاكتفاء بتمويل النشاطات.

ويعني أيضًا الاعتراف بأن الموارد المحلية والمبادرات المجتمعية ليست بديلًا عن التمويل الدولي وإنما جزء من منظومة شراكة متكاملة.

رسالة إلى المجتمع الدولي

في اليوم العالمي للعمل الإنساني لا نحتاج إلى أن يقول العالم للسودانيين فقط: «نحن معكم».

نحتاج أن يتحول هذا القول إلى أفعال:

موّلوا الاستجابة الإنسانية.

ادعموا المنظمات الوطنية.

استثمروا في المتطوعين والمستجيبين الأوائل.

احموا العاملين الإنسانيين.

اضغطوا من أجل وصول المساعدات دون عوائق.

احترموا القانون الدولي الإنساني.

وساهموا في بناء السلام والتعافي لا في إطالة أمد إدارة الأزمة.

فالتضامن الذي لا يصل إلى الإنسان في لحظة حاجته يبقى تضامنًا ناقصًا.

ورسالة إلى السودانيين

لكن المسؤولية ليست خارجية فقط.

فتمكين المجتمع المحلي يبدأ من المجتمع نفسه.

علينا أن نعيد الاعتبار للعمل التطوعي باعتباره قيمة وطنية لا نشاطًا هامشيًا.

وأن نبني مؤسسات تطوعية قوية وشفافة وقادرة على إدارة الموارد.

وأن ننتقل من المبادرات الفردية المؤقتة إلى العمل المؤسسي المستدام.

وأن نمنح الشباب والنساء مساحة أكبر في قيادة الاستجابة المجتمعية.

وأن نوثق تجارب المتطوعين الذين صنعوا المستحيل في سنوات الحرب.

وأن نحافظ على ثقة الناس لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي للعمل الإنساني.

كما ينبغي ألا نخلط بين العمل الإنساني والعمل السياسي وألا نسمح بتسييس المساعدة أو استخدامها لتحقيق أهداف لا علاقة لها بكرامة الإنسان وحقوقه.

فالعمل الإنساني الحقيقي يقوم على مبادئ الإنسانية والحياد وعدم التحيز والاستقلالية وهذه المبادئ ليست ترفًا نظريًا وإنما ضمانة لاستمرار الثقة والوصول إلى المحتاجين.

19 أغسطس: ماذا نريد أن نتذكر؟

في هذا اليوم ينبغي ألا نتذكر فقط من ماتوا وهم يؤدون العمل الإنساني.

بل ينبغي أن نتذكر أيضًا أولئك الذين لا تزال أسماؤهم خارج التقارير الرسمية:

المتطوع الذي فتح منزله للنازحين.

المرأة التي طبخت لعشرات الأسر.

الشاب الذي نقل الدواء في ظروف خطرة.

الطبيب الذي واصل العمل رغم انقطاع الكهرباء ونقص الدواء.

السائق الذي خاطر بحياته لنقل الإمدادات.

العامل المحلي الذي بقي في مدينته عندما غادر الجميع.

والمجتمع الذي تقاسم القليل الذي يملكه مع من لا يملك شيئًا.

هؤلاء هم وجه الإنسانية الحقيقي.

خاتمة: لا تجعلوا المجتمع المحلي آخر المستفيدين

ربما تكون أهم رسالة يحملها شعار اليوم العالمي للعمل الإنساني 2026م هي أن مستقبل العمل الإنساني لن يُبنى فقط في قاعات المؤتمرات الدولية ولا في مكاتب المانحين ولا في عواصم الدول.

إنه يُبنى أيضًا في الحي والقرية والمعسكر والمستشفى والمطبخ المجتمعي ومركز الإيواء وبين المتطوعين الذين يعرفون الناس بأسمائهم ويعرفون احتياجاتهم قبل أن تصل الاستمارات والتقارير.

ولهذا فإن تمكين المجتمعات المحلية يجب ألا يبقى شعارًا موسميًا.

يجب أن يتحول إلى سياسة تمويل.

وإلى ممارسة مؤسسية.

وإلى شراكة عادلة.

وإلى نقل حقيقي للمعرفة والموارد والقرار.

وفي السودان تحديدًا لا يمكن أن نتحدث عن مستقبل إنساني أفضل دون الاعتراف بأن المجتمعات السودانية نفسها كانت ولا تزال جزءًا أساسيًا من عملية الإنقاذ.

لقد أثبت السودانيون خلال الحرب أنهم قادرون على صناعة الاستجابة في أصعب الظروف.

والتحدي الآن هو أن ننتقل بهذه الطاقة من المبادرات الطارئة إلى المؤسسات المستدامة ومن الفزعة إلى المنظومة ومن الصمود إلى التعافي ومن الاعتماد على المساعدات إلى بناء القدرة الوطنية على مواجهة الأزمات.

إن 19 أغسطس ليس يومًا للاحتفال بالإنسانية فقط.

إنه يوم لنسأل أنفسنا:

هل نحمي من يحاول حماية الآخرين؟

هل نعطي المجتمعات المحلية حقها في القرار والموارد؟

هل نحترم كرامة النازحين والمتضررين؟

هل نطبق القانون الدولي الإنساني عندما يكون تطبيقه صعبًا لا عندما يكون سهلًا؟

وهل نريد فعلًا إنهاء المعاناة أم أننا اكتفينا بإدارتها؟

في السودان الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا.

إنها جزء من معركة استعادة الإنسان واستعادة المجتمع واستعادة الدولة.

وفي اليوم العالمي للعمل الإنساني 2026م ربما تكون الرسالة الأصدق هي:

لا تنتظروا أن ينقذ العالم المجتمعات المحلية؛ ادعموها ومكّنوها واحموا من يعملون فيها واتركوا لها مساحة قيادة مستقبلها.

فحين تُمنح المجتمعات القدرة والموارد والثقة فإنها لا تكون مجرد متلقٍ للمساعدة…

بل تصبح قوةً لصناعة التعافي والسلام.

رحم الله من فقدناهم في هذه الحرب والحروب الأخرى من المدنيين والعاملين والمتطوعين في المجال الإنساني وكل من قضوا وهم يؤدون واجبهم أو يبحثون عن الأمان. نسأل الله أن يتقبلهم بواسع رحمته وأن يشفي الجرحى ويفرّج عن النازحين والمشردين واللاجئين والمهاجرين والعائدين ويردّ جميع أهل السودان إلى ديارهم سالمين آمنين ويحفظ من بقي ويكتب للسودان السلام والأمن والأمان والتعافي ويجعل ما قدمه أبناؤه وبناته من تضحيات وعطاء في ميزان حسناتهم.

اللهم احفظ السودان وأهله وأوقف نزيف الدم وارفع عن شعبه البلاء واجعل القادم خيرًا والسلام طريقًا والإنسان وكرامته غايةً لا تُساوَم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى