د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. “الرسالة الثانية من الإسلام” بين الوهم والحقيقة
د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. "الرسالة الثانية من الإسلام" بين الوهم والحقيقة

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب.. “الرسالة الثانية من الإسلام” بين الوهم والحقيقة
مقدمة:
يقدم كتاب “الرسالة الثانية من الإسلام” لمؤلفه محمد محمود طه رؤية مثيرة للجدل حول الإسلام، محاولاً إعادة تفسير المفاهيم الدينية التقليدية بطريقة تتناقض مع الأصول الشرعية والعقلية. وعلى الرغم من ادعاء الكتاب تقديم “فهم جديد” للإسلام، إلا أنه يقع في فخ التناقضات الفلسفية والانحرافات الفكرية التي تمس جوهر العقيدة الإسلامية. هذا المقال يناقش أبرز هذه الأخطاء ويُظهر تهافت الرؤية التي يقدمها الكتاب.
1. التفريق المزعوم بين “السنة” و”الشريعة”:
يزعم الكاتب أن هناك فرقاً جوهرياً بين “السنة” و”الشريعة”، حيث يعتبر أن السنة هي أفعال النبي الشخصية، بينما الشريعة هي ما يخص الأمة. هذا التقسيم مخالف للإجماع الإسلامي، فالسنة النبوية جزء لا يتجزأ من الشريعة، وهي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن. قول النبي صلى الله عليه وسلم: “عليكم بسنتي” يشمل كل ما صدر عنه من قول أو فعل أو تقرير. محاولة الفصل بينهما تؤدي إلى تفكيك الدين وإفراغه من مضمونه العملي.
2. الادعاء بوجود “إسلامين”: بدائي وعلمي!
يطرح الكتاب فكرة أن الإسلام مر بمرحلتين: مرحلة “المقيدة” (العقيدة) ومرحلة “العلم” (الحقيقة)، وأن المرحلة الثانية لم تكتمل بعد. هذا الادعاء يناقض صريح القرآن الذي أكد اكتمال الدين في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3] كما أن وصف الإسلام بأنه “بدائي” أو “ناقص” يتضمن انتقاصاً من شمولية الرسالة المحمدية، التي جاءت لكل زمان ومكان.
3. الحرية الفردية المطلقة: هل هي وهم أم ضلال؟
يدعو الكاتب إلى “الحرية الفردية المطلقة” بزعم أنها جوهر الإسلام، متناسياً أن الإسلام يقيد الحرية بضوابط الشرع والمصلحة الجماعية. عن أبى سعيد الخدري رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: (لاَ ضَررَ ولا ضِرار) هذا الحديث الحسن يؤسس لمبدأ المسؤولية، لا الفوضى. كما أن فكرة أن “الإسلام في نهايته يصبح حرية مطلقة” تُعد خطراً أخلاقياً، لأنها تفتح الباب أمام التحلل من الثوابت الدينية تحت شعار “التطور الروحي”.
4. إسقاط الحدود الشرعية تحت مسمى “التطور”:
يقلل الكتاب من شأن الحدود الشرعية مثل حد الزنا والسرقة، ويرى أنها مرحلة مؤقتة! هذا يتعارض مع قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:229]، {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق:1]. الحدود ليست قيوداً ظالمة، بل هي ضمانات لحماية المجتمع من الفساد. محاولة التلاعب بها تحت ذريعة “الترقي الروحي” هو تمييع للشرع وإضعاف لدور الدين في تنظيم الحياة.
5. الخلط بين الجبر والاختيار:
يسقط الكاتب في فخ الجدل الفلسفي القديم حول الجبر والاختيار، ويقدم تفسيراً ملتبساً لقضاء الله وقدره. الإسلام يوازن بين الإيمان بقدر الله ومحاسبة الإنسان على اختياره، كما في قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:286]. أما محاولة إلغاء المسؤولية الفردية تحت مسمى “التسيير المطلق” فتناقض العدل الإلهي.
6. الادعاء بأن الإسلام ليس ديناً!
في أحد أكثر مقاطع الكتاب إثارة للدهشة، يصرح الكاتب بأن الإسلام “ليس ديناً بالمعنى المألوف، بل هو علم وحقيقة”! هذا القول ينفي صفة الدينية عن الإسلام، بينما القرآن يسميه صراحة “ديناً” في آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 19]. مثل هذه الأفكار تُخرج صاحبها من الملة، لأنها تنكر أحد أصول الاعتقاد.
الخاتمة:
كتاب “الرسالة الثانية من الإسلام” ليس أكثر من محاولة فاشلة لتلفيق فلسفة غامضة بين ثنايا النصوص الشرعية، مما يجعله خطراً على العقيدة والفكر معاً. المؤلف يتلاعب بالمفاهيم ويُخضع النصوص لأهوائه، بدلاً من أن يخضع هو لها. الإسلام دين كامل لا يحتاج إلى “تطوير” مزعوم، ومحاولة اختزاله في تصورات فردية هي ضرب من الوهم والغرور.
أخيراً، فإن هذا الكتاب يمثل نموذجاً للفكر الانهزامي الذي يحاول تقزيم الإسلام ليتناسب مع الأهواء الحديثة، بدلاً من أن يرفع الإنسان ليتناسب مع عظمة الإسلام. والله تعالى أعلم.




