عُمَر مَنصور فَضُل يكتب.. بورتسودان ثغر السودان الباسِم .. خبر أييييه..! omarmnsr@yahoo.com
عُمَر مَنصور فَضُل يكتب.. بورتسودان ثغر السودان الباسِم .. خبر أييييه..! omarmnsr@yahoo.com

عُمَر مَنصور فَضُل يكتب.. بورتسودان ثغر السودان الباسِم .. خبر أييييه..!
omarmnsr@yahoo.com
(5)
بورتسودان يا حِنِيَّة
عروس البحر يا حُورِيَّة
بورتسودان يا حِنِيَّة
من قلبي التايِه في حُبِّك
أهدى سلامي وألف تحِية
هكذا شدا الفتى حيدر بورتسودان (حيدر محمد عثمان) الذي إشتهر بهذه الأغنية أيام ظهوره اللَّافت في منتصف الثمانينات، بمثل شهرته بإجادته للعزف على الأورغن (رغم أن براعته الموسيقية بدأت بالعزف على العود في طفولته بمهارة أُطلِقَ عليه بسببها لقب المعجزة الصغيرة)..
وبمناسبة هذه الإستهلالية لهذه الحلقة من خواطري البورتسودانية، لماذا لم نسمع البتَّة أي ذِكر عن حيدر بورتسودان هذا رغم إرتباط إسمه بالمدينة على شاكلة المطربين الذين لُقِّبوا بمدن وأحياء نشأتهم:
حسين شندي..
أمير حلفا..
عاطف نيالا..
هاشم بابنوسة..
منتصر الهلالية..
إنصاف مدني..
حنان السجانة..
ندى القلعة..
عائشة الجبل..
الهادي الجبل (جبل أولياء)..
خالد الصحافة..
فيصل الصحافة..
أيمن المهدية..
هبة أركويت..
فاتِن كوبر…إلخ..
فـ(حيدر بورتسودان) رغم تلقيبه بإسم المدينة لكن لم أسمع بإسمه يتردَّد في بورتسودان طوال إقامتنا الطويلة فيها ولا حتى عن أغنية من أغنياته مبثوثة في مكانٍ ما، فأغنيته هذه (عروس البحر)، عن بورتسودان، كانت واحدة من أركان شهرته إضافة إلى أغنياته:
صيَّاِد وخايف قال
الصيدة بتصيدو
خايف هو قال مني
و أنا حالتي في إيدو
شجر العنب يا ناس
خايف عناقيدو
وكذا:
عمري ما فكرت يوم
آخر مطافنا يكون جفا
أنا قلبي
ما بيعرف خصام
يا ناسي أيام الوفا
وغيرها..
على عكس رموز الموسيقى الآخرين من بورتسودان الذين تتردَّد أسماؤهم في المنابر ومجالس الأنس والسمر والمنتديات، وتُسمَع أغنياتهم هناك وهناك من أمثال:
سيدي دوشكا..
محمد البدري..
وهناك عدد من المطربين والموسيقيين الذين إحتضنتهم بورتسودان فترة من عمرهم على رأسهم:
عبدالكريم الكابلي المولود هناك في 1933م.
والموسيقار عازف الكمان الأشهر محمدية (رغم إجادته أيضاً لآلات العود والجيتار والقانون والبيانو)، المولود بـ(ديم جابر) في 1940، وتلقى بمدينة بورتسودان كل مراحل تعليمه ما قبل الجامعي، وإسمه الكامل (محمد عبدالله محمد) ومحمدية تصغير من محمد أطلِقَ عليه في صِغَره على سبيل الإطراء والدلال (إسم دلع) فسار عليه، وهناك محطة مواصلات شهيرة في حي أم القُرَى (حي ولِّع سابقاً)، مربع (3)، تحمل إسمه (محطة محمدية) يقال إنَّ هناك مقر سكن عشيرته..
ومصطفى سيد أحمد الذي درس الثانوية في بورتسودان وبدأ فيها أولى خطواته الفنية..
و عادل مُسلّّم..
و إدريس أمير..
و ياسين خصر..
وعدد كبير من النجوم في المجالات الأخرى أمثال الشاعر الهرم حسين بازرعة..
والروائي العالمي الطيب صالح الذي تلقى فيها تعليمه الثانوي بعد أن هاجرت إليها أسرته من الولاية الشمالية..
ولاعب الهلال والمنتخب الوطني الشهير أسامة الثغر..
وغيرهم من النجوم والرموز في المجالات المختلفة.
▪️تتميز أحياء بورتسودان بصِغَر مساحتها قياساً بالأحياء في المدن الأخرى وهي أشبه ما تكون بالمرابيع أكثر من كونها أحياء قائمة بذاتها، ويأخذ الحي هنا إسم الـ(دَيم)، الجمع (دِيوم) فيقال دَيم كذا و دَيم كذا، ونادراً ما يُنطَق إسم الحي مُجرَّداً من كلمة دَيم، كما تأخذ مسميات الأحياء شكل قطاعات فيُقال الدِّيوم الشرقية (الأحياء الشرقية)، الديوم الغربية (الأحياء الغربية)، وهكذا..
ولعل أميزها موقعاً و رُقِياً وتمَدُّناً هي أحياء وسط المدينة (كما هو حال غالب المُدُن)، وتضُم:
السوق الكبير، دَيم المدينة، دّيم عرب، البوستة، حي التقدم، أونقواب، دَيم سجن، حي الأغاريق، حي الجامعة (خور كِلاب سابقاً)، حي العَظَمة، دبايوا…إلخ.
وأكبر الأحياء تقريباً من حيث المساحةً هو حي المطار الذي يتميَّز بوجود أغلب (كل) مَقار المنظمات والسفارات فيه، ويقع من ضمن الديوم الجنوبية التي تشمل: دَيم سواكن، دَيم جابر، دَيم موسى، المَلَّاحة، ترانسيت، كوريا، الشاطئ، الشجرة، الميرغنية، دار النعيم، دار السلام، الرياض، يثرب، الأندلس، عوج الدرب، فيليب (حي هبيلا سابقاً)، الإنقاذ، غرب الظلط، ومنطقة الجناين…إلخ..
ثُمَّ تمتَد وتتمدَّد باقي الأحياء شرقاً وشمالاً وغرباً:
ديم مايو، سلالاب شرق وغرب، الوحدة، شَقَر، مدينة البشير السكنية، قشلاق الدفاع الجوي، الإسكان، الإسكندرية، الدوحة، ديم النور، الأسكِلا، القادسية، أم القرى، أبوحشيش، الثورة، هَدَل، سلبونا، ديم التجاني، فلامَنقُو، دمادما…إلخ..
ومثلما هناك في كثير من مدن السودان أسماء الأحياء ذات الإيحاءات بالبؤس والتهميش من نوع (زقلونا، بارونا، جبرونا…إلخ) هناك في بورتسودان أيضاً (سلبونا)، (ظلمونا)، (رأس الشيطان)…إلخ..
▪️من ملامح بورتسودان اللافتة أيضاً أنََ بها سجنان (إثنين سجن)، سجن المدينة أو السجن الصغير، في قلب سوق المدينة، وموقعه غريب جِدَّاً كموضع سجن إذ يقع مُحاطاً من كل الإتجاهات بمحال تجارية وكافتيريات تجعل من أمر هروب نزيل أو سجين من مثل هذا الموقع مجرد (شراب موية) لكن يبدو أن أدروب (الولوف) البسيط لا تسكنه روح الإحترافية الإجرامية التي تجعله يفكر في الهروب حتى لو أُدخِلَ في سجن بلا جُدران .. وهناك السجن الكبير (السجن العمومي) الشهير على مستوى السودان بقسوته وسوء ظروفه بسبب عمل السجناء في الملَّاحات (أحواض إنتاج الملح)، وهو عمل شاق ومرهق جِدَّاً..
وبذكر الملَّاحات فغنيٌّ عن القول إن إنتاج الملح هو أحد ميزات مدينة بورتسودان بين مدن السودان وبين الموانئ الأخرى في العالم..
وَهي المنطقة الوحيدة في السودان لإنتاج هذه السلعة المهمة جِدَّاً بكثافة وكثرة جعلت منه مصدر تبخيس و(حقارة) ويُضرب به المثل للشئ الرخيص عديم القيمة لدرجة وصف الشئ المجَّاني بأنَّه (ملح)، رغم أنها سلعة لا غِنى عنها للناس كافة، ولكن العود (الطيب أو الصندل) في أرضه (نوعٌ من الحطب)، فالملح في بورتسودان (نوعٌ من التراب)..
و في مرة، في ذات شطحة، خطرت لي خاطرة فسألتُ إحدى قريباتي بهذه المدينة (لماذا تحتاج النساء في بورتسودان للملح في عمل المُلاح..!، ألا يمكن الطبخ مباشرةً بالماء المالح..!)، فكانت الإجابة همهمة وإبتسامة شبه ساخرة، ولا يزال سؤالي قائماً..
▪️بورتسودان رغم مظاهرها وظواهرها المزعجة جِدَّاً .. الكدايس، الغُربان، النَّمل، الذباب، البعوض، تكدُّسات القُمامة، الكَتمة والزَّمَّة (المعروفة محلياًَ بالرطوبة)، والأجواء المتقلبة على مدار ساعات اليوم بحيث يمر في اليوم الواحد من الصباح إلى المساء جميع أشكال فصول السنة (سخانة، أهوية وكتَّاحة، غيوم، مطر، برد…إلخ) لكن يكفيها -بورتسودان- أنها نصرتنا حين خذلتنا مُدُن الزِّيف و(البوبار)..
وما يُقال ويشكوا منه الوافدون النازحون من غلاء ومظاهر (إستغلال للظروف) وإنتهاز للأوضاع لا يعود في جزء كبير منه إلى سلوك المدينة وإنما يرجع إلى الأنانية المعروفة عن كل السودانيين وتناقضاتهم، فأشخاص يحملون صفة نازخين هاربين بما على أجسادهم فقط من اللبس، وتاركين لكل ممتلكاتهم ومدخراتهم وحصيلة أعمارهم (كما يصفون أنفسهم)، دخلوا بورتسودان ليأجِّروا شقق بمليارات الجنيهات (متوسِّط إيجار شقة بثلاثة مليار)، وجعلوا أدروب يصاب بالذهول والإنبهار لترتفع أسعار الإيجارات إلى مبالغ خُرافية فبعض المنازل التي كانت لا تتعدى إيجاراتها حتى نهاية العام (2023) مبلغ (40ــ50) ألف جنيه طارت فجأة إلى (500ــ800) ألف بسبب أصحاب الجيوب المُتخمة الذين هبطوا على المدينة فأسالوا لُعاب السماسرة وارتزاقيي الأزمات وأصحاب العقارات..
لكن بورتسودان يكفيها أنَّها أكثر مدن السودان على الإطلاق إيواءاً للنازحين والهاربين من جحيم الحرب التي دارت في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، حتى دون مدن الشرق الأخرى الآمنة مثل القضارف أو كسلا..
وغني عن القول إن ذلك لم يكن بسبب تحوُّلها إلى (عاصمة إنتقالية) ومقر لرئاسة الدولة كما قد يتبادر إلى الذهن، فوجود السلطة المركزية في بورتسودان لم يكن لها أي أثر أو دور أو مظهر في حياة المواطنين العاديين، سواءاً المقيمين الأصليين أو الوافدين إليها نتيجة الحرب..
فشكراً ثغر السودان الباسم، الباسم رغم كل شئ، وبأي حال (أدروب ولوف) وأدروب ما عندو (شَمْكِلة) مع أي زول..


