
تنوير
النعمان حبيب الله العيد في حضن الوطن…
—————-
مرحب حبابو…
العيد اللِّقِيّة واللِّمّة،
الخلّت فرحنا يزيد،
ومنانا ينتما…
هذا ليس عيدًا عاديًا…
هذا عيدٌ يشبه الرجوع من غربةٍ طويلة،
يشبه أن تجد نفسك بعد أن أضعتك الطرق،
يشبه أن تفتح الباب فتستقبلك رائحة البيت… وكأنها لم تغب يومًا.
ثلاث سنوات…
مرّت علينا كأنها دهر،
نُجرّب فيها أعيادًا بلا طعم،
نُزيّنها بالكلمات،
ونحاول أن نُقنع قلوبنا بأنها فرح… لكنها كانت تعرف الحقيقة.
كانت أعيادًا باهتة،
بلا لَمّة، بلا ضحكة صادقة،
بلا ذلك الشعور الذي يجعلك تقول: “نعم… هذا هو العيد”.
كنا بعيدين عن السودان…
لكن السودان لم يكن بعيدًا عنا،
كان يسكن تفاصيلنا،
في الحنين، في الدعاء، في كل لحظة صمتٍ ثقيلة.
واليوم…
نُعيّد هنا.
في السودان… وفي الخرطوم،
حيث للفرح طعمٌ مختلف،
وحيث للذكريات ظلٌّ لا يغيب.
نُعيّد بين الأهل…
والأهل هنا وطنٌ مصغّر،
نُعيّد بين الأصحاب… الذين لم تُغيّرهم المسافات،
والجيران… الذين يعرفون كيف يكون القرب حتى في أصعب الأيام.
نُعيّد في اللِّمّة…
في فناجين القهوة التي تدور بين الأيادي،
في الأحاديث التي تبدأ ولا تنتهي،
في الضحكات التي تُعيد ترتيب الروح.
نُعيّد في صلاة العيد…
حين تصطف القلوب قبل الأقدام،
وحين يرتفع الدعاء:
أن يحفظ الله هذا البلد،
وأن يُنبت في جراحه سلامًا… يليق به.
نُعيّد في الأطفال…
في ملابسهم الجديدة،
في فرحتهم التي لا تعرف الانكسار،
في عيونهم التي تُبشّر بأن الغد… لا يزال ممكنًا.
وهنا فقط…
تفهم معنى أن يكون لك وطن.
تفهم أن السودان، رغم كل ما مرّ به،
ما زال قادرًا أن يمنحك هذا الشعور النادر:
أنك في مكانك الصحيح.
لا أستطيع أن أكتب كل ما أشعر به…
فبعض الأحاسيس تُعاش ولا تُقال،
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
كنا بعيدين عنه… لكننا لم نغادره أبدًا،
واليوم عدنا إليه… فعاد إلينا العيد.
في السودان…
العيد ليس يومًا…
بل حياة كاملة،
وحين يأتيك هنا… يأتيك بكل ما فقدته.
كسرة:
أعيادٌ كثيرة مرّت علينا…
كنّا نحضرها مجاملة،
نبتسم فيها قليلًا… ونختنق كثيرًا،
نقول “عيد مبارك”… وقلوبنا تعرف أنه ليس كذلك.
كانت أعيادًا بلا وطن…
وبلا روح.
واليوم…
فقط اليوم…
عرفنا أن العيد لا يُشترى،
ولا يُمثَّل…
بل يُولد… حين تكون في حضن وطنك




