علي محمد طاهر علام يكتب..المعلم.. حجر الزاوية المنسي في رحلة البناء الوطني
علي محمد طاهر علام يكتب..المعلم.. حجر الزاوية المنسي في رحلة البناء الوطني

علي محمد طاهر علام يكتب..المعلم.. حجر الزاوية المنسي في رحلة البناء الوطني
في قلب كل أمة تنهض، يقف المعلم كحجر الزاوية، ينحت بعقله وضميره أجيالاً تحمل راية التقدم والبناء. لكن ما قيمة من يحمل مشعل النور وهو يعيش في ظلام الإهمال والنسيان؟؟ منذ عقود، ظل المعلم في السودان هو الجندي المجهول الذي يقف في الصفوف الأمامية لبناء الأجيال، دون أن يُمنح ما يستحق من تقدير مادي أو معنوي. اليوم، ونحن نناقش قضية رواتب المعلمين، فإننا لا نريد ان نتحدث عن أرقام وجداول مالية فحسب، بل عن قضية وجودية تمس مستقبل البلاد بأكمله.
فآخر تعديل لهيكل الأجور جرى في العام 2020، أي قبل خمس سنوات، بينما كانت البلاد تعيش في واقع اقتصادي مختلف تماماً عما هي عليه اليوم. في ظل ارتفاع جنوني للأسعار وزيادة تكاليف المعيشة، وتدهور كبير في سعر الصرف، أصبح المعلم يعاني من انخفاض حاد في القوة الشرائية لدرجة أن راتبه لم يعد يكفي لشراء ابسط أساسيات الحياة، ناهيك عن توفير متطلبات التعليم لأبنائه. هل يعقل أن يُترك من يبني الأجيال في حالة من العوز والفقر؟
لطالما طالعنا وسمعنا خطابات رسمية تشيد بدور المعلم، وتتحدث عن “الاهتمام بالتعليم”، لكن الواقع يشير إلى غير ذلك، تجاهل مُتعمَّد وتأجيل مستمر. اللجان المشكلة، والوعود المتكررة، لم تترجم إلى أفعال على الأرض. إن معالجة هذه القضية هي مسؤولية مباشرة تقع على عاتق وزارة التربية والتعليم ووزارة المالية ورئيس الوزراء، ولا يمكن تجاوزها بخطابات عامة أو تصريحات عاطفية. فالإرادة السياسية تُقاس بقرارات ملموسة، لا بوعود مؤجلة.
لقد أفقدت الحرب الكثير من المعلمين بيوتهم وممتلكاتهم، وزادت من معاناتهم بسبب النزوح والتهجير. ومع ذلك، ظل المعلم صامداً في وجه العاصفة، يحاول أن يعلم وينير العقول رغم جراحه. لكن حتى الصبر له حدود، والاستمرار في تجاهل مطالبهم هو استهانة بكرامتهم ودورهم قد ينتهي بهم هجر المهنة. فالمعلم اليوم يقف بين مطرقة الاستجابة للحس الوطني لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من العملية التعليمية بفعل الحرب، وسندان الوضع المعيشي المذري الذي يسحق أحلامه ويكسر عزيمته.
هنالك من يُطالب المعلم اليوم بالتسامي فوق جراحاته، والاستجابة لنداء الوطن لبناء ما دمرته الحرب والإسهام في بناء السلام والإستقرار. لكن كيف له أن يستجيب وهو يعاني من جوع وظلم وبلا مأوي؟ كيف له أن يبني مستقبل بلاده وهو لا يستطيع الإيفاء بابسط مطلوبات حاضره ناهيك عن بناء مستقبل أسرته؟ إن الاستمرار في استغلال تضحية المعلمين دون مقابل عادل هو خيانة للثقة وإهدار للكرامة.
إن كنا جادين في تحقيق ثورة تعليمية حقيقية في السودان، ثورة تعمل علي تعزيز الوطنية وصناعة اجيالاً اكثر وعياً بقيمة الوطن واكثر استعداداً للنهضة والتعمير، فلا بد من أن نبدأ بتحسين أوضاع المعلمين المادية والمعنوية. يجب أن تكون رواتبهم متناسبة مع الأوضاع الاقتصادية، ومكافئة لجهودهم. كما يجب أن يعاد الاعتبار لمهنة التعليم في المجتمع، وأن يُنظر إلى المعلم على أنه حامل رسالة وليس مجرد موظف. تعديل الأجور ليس منّة، بل استثمار استراتيجي في أخطر وأعظم مشروع وطني: إعادة بناء الإنسان السوداني.
إن قضية رواتب المعلمين ليست قضية فئوية عابرة، بل هي قضية وطنية مصيرية، وتجاهلها هو تجاهل لمستقبل السودان كله. لذا نوجه نداءً شديد اللهجة إلى الحكومة والوزارات المعنية: كفى وعوداً! كفى تأجيلاً! كفي تهميشاً! لقد حان الوقت لتحويل الوعود إلى أفعال، وضمان حياة كريمة للمعلمين، حتى يتمكنوا من القيام برسالتهم النبيلة في بناء الأجيال.
فإنصاف المعلم اليوم ليس مجرد استجابة لمطلب فئوي، بل هو قرار سيادي ووطني يعكس جدية الدولة في الإصلاح، ويجسد احترام المجتمع لنفسه قبل أن يكون احتراماً لمعلمه. فالمعلم هو البوصلة التي توجه الأمة، فإذا كُسر ظهره، ضاع الاتجاه. والمعلم هو الجذر الذي يحفظ للأرض خصوبتها، فإذا جف، صارت البلاد أرضا قاحلة بلا مستقبل.
فلنقلها بوضوح: لا تعليم بلا معلم، ولا وطن بلا تعليم.




