حين تنفجر الحروب من خلف الشاشات: بين براءة السؤال وثورة الأخ د.أيمن محجوب عبد الله محمد
حين تنفجر الحروب من خلف الشاشات: بين براءة السؤال وثورة الأخ د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حين تنفجر الحروب من خلف الشاشات: بين براءة السؤال وثورة الأخ
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
في زمنٍ تتداخل فيه الأصوات خلف الشاشات، وتذوب ملامح الهوية في زجاج الهاتف، وقع ما لم يكن بالحسبان. لم تكن المعركة في ميدان ولا في ساحة عشيرة، بل في مربع دردشة صغير في تطبيق “الواتسآب”، حيث انفجرت شرارة سؤال بريء، أشعلت نيران ثورة لا تقل عن حرب البسوس، لا في الحدة، ولا في الكبرياء.
كان الحديث عاديًا، بسيطًا، يحمل في طياته أُنس الأخوة ومودة الصِلات، حتى تسلّل الشكُّ إلى قلب أحدهم، أو لِنَقُل الإحساس بالفارق. شيءٌ ما في الردود لم يكن مألوفًا… المفردات؟ الأسلوب؟ ذلك الإحساس الخفي بأن الطرف الآخر ليس هو ذلك الأخ الذي يعرفه عن ظهر قلب. لم يتردد، بل سأل بكل براءة طفل وحكمة عجوز:
“هل أنتَ أخي، أم ابنة أخي التي ترد علي؟”
السؤال كان قنبلة. لا إهانة فيه، لا تجريح، فقط استيضاح. لكن وقع العبارة على الطرف الآخر كان كوقع السهام على صدر فارس عربي قديم. اشتعلت ثورته، تصاعد دخانه في السماء الافتراضية، وزمجر في وجه السؤال كما زمجر جساس يوم قُتل كليب.
لماذا كل هذه الثورة؟
أليس من حق الإنسان أن يتأكد؟ أن يستوضح؟ أليس من واجبنا أن نكون واضحين في تواصلنا، خاصة حين يكون الهاتف وسيطًا هشًا بين القلوب والعقول؟ لماذا تحوّل سؤال بريء إلى معركة كرامة؟ لماذا صارت الهوية سيفًا مسلولًا بدل أن تكون جسرًا للتواصل؟
ربما لأن في أعماقنا العربية، تسكن حمية لا تهدأ، وكبرياء لا يقبل الشك، حتى لو كان الشك نابعًا من الغموض لا من الريبة. الأخ شعر وكأن شخصيته تُنتزع، وكأن اسمه يُسلب، فاشتعل كما تشتعل الصحاري في القيظ، وردّ كما يرد الغضبان حين يُمسّ عرضه.
لكن، من المخطئ هنا؟
الحقيقة أن لا مخطئ. بل الموقف بأكمله هو تذكير صارخ بأننا أصبحنا نعيش في عالم رقمي يفتقر للملامح، تُختلط فيه الأصوات، وتضيع فيه النوايا. سؤال الهوية لم يعد وقاحة، بل ضرورة، واحترام الطرف الآخر يتطلب ألا نُسيء فهمه حين يسأل عمّن يخاطبه.
في الختام…
هي ليست مجرد دردشة، بل مرآة لما أصبح عليه تواصلنا. إن لم نمنح بعضنا العذر، وإن لم نتجاوز عتبة الكبرياء الزائد، فسنستمر في خوض حروب لا تقل عبثية عن حرب البسوس. فليكن هذا الموقف تذكرة بأن الكلمة الطيبة، والتريث في الغضب، هما السلاح الوحيد الذي ينبغي أن نحمله ونحن نتحدث من خلف الشاشات. والسلام على من عذر واستوضح، لا من ثار وهاج.




