مقالات

.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب. “قلنا ما ممكن تسافر”: فراقٌ يُذيب القلوب قبل الأجساد

.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب. "قلنا ما ممكن تسافر": فراقٌ يُذيب القلوب قبل الأجساد

د.أيمن محجوب عبد الله محمد يكتب. “قلنا ما ممكن تسافر”: فراقٌ يُذيب القلوب قبل الأجساد
إهداء من القلب: إلى روح أبي وإلى حبيبتي زكية
بين الحروف والدموع، أكتب هذه الكلمات وأهديها إلى روح أبي الغالي محجوب عبد الله محمد، الذي كان يملأ الدنيا عذوبةً حين يغني هذه الأغنية بصوته الذي يشبه الندى. كنتُ أسمعه يردد: “قلنا ما ممكن تسافر”، وكأنه يعرف أن الحياة ستأخذه منّا ذات يوم، لكنه ترك في قلوبنا ذكرياتٍ لا تسافر أبدًا.
وأهدي هذا المقال أيضًا إلى أختي الحبيبة الدكتورة زكية محجوب، الطبيبة التي تعالج الأجساد بيديها، والقلوب بحنانها. وإليكِ يا زكية، أقول: لقد كتبتُ هذه السطور والدموع لا تفارق عينيّ، لأنني أعرف كم كانت هذه الأغنية تعني لأبي، وكم تعني لكِ. كل كلمة فيها تذكرنا به، بضحكته، بقلبه الكبير الذي كان يختزل كل الحب في نظرة.
اليوم، حين أسمع “لو تسافر دون رضانا بنشقي نحن الدهر كلو”، أعرف أن أبي لم يسافر باختياره، لكنه تركنا في شوقٍ لا ينتهي. وأنتِ يا زكية، بقيتِ لنا كالنجمة التي تضيء دربنا، تحملين نفس قلبه الدافئ، ونفس صوته الذي ما زال يرنّ في أذن الزمن.
إلى أبي.. في السماء:
كنت تغني هذه الأغنية وكأنك تُعلّمنا كيف يكون الحب، وكيف يكون الوداع. اليوم، نغنيها لكِ، ونقول: “لا لا ما بنقبل نسيبك تمشي للوحدة وتعاني”، لأننا نعرف أنك لم تتركنا إلا مضطرًا، ولأننا نرفض أن نتصوّر الدنيا بدونك، حتى لو كانت السماءُ منزلك الجديد.
وإليكِ يا زكية.. يا من تحملين روحه في عينيكِ:
أنتِ الذكرى التي لا تتبدد، وأنتِ الحب الذي يجعل الفراق أخفّ وطأةً. شكرًا لأنكِ تُذكريننا دائمًا بأن أبي ما زال هنا، في كل كلمة حنان، وفي كل لحظة ضحكة تُشبه ضحكته.

“هذه ليست مقدمة مقال عادي… بل هي استراحة قصيرة قبل أن نغوص في بحر الألم والحنين الذي تُخبئه لنا كلمات: قلنا ما ممكن تسافر…”
في عالم الغناء السوداني الأصيل، تقف أغنية “قلنا ما ممكن تسافر” كصرخة قلبية تُجسّد لوعة الفراق وحرقة التوديع. بكلمات الشاعر فضل الله محمد، وصوت محمد الأمين العذب، تحوّلت الأغنية إلى قصيدة غنائية تلامس أوتار الحنين، وتُعبّر عن ذلك الصراع بين العقل الذي يعرف ضرورة السفر، والقلب الذي يرفض حتى مجرد التفكير في الغياب.
“قلنا ما ممكن تسافر”… حلفٌ بالمشاعر قبل الأيمان
تبدأ الأغنية بجملةٍ تحمل في طياتها رفضًا قاطعًا: “قلنا ما ممكن تسافر”، وكأنّ العقل والقلب قد اتّفقا على رفض هذه الفكرة من الأساس. ثم تأتي الصورة الأعمق: “نحن حالفين بالمشاعر”، فالحلف هنا ليس بالكلمات، بل بالمشاعر التي تُصبح أقوى من أي وعود. لكن المفارقة المؤلمة تظهر في السطر التالي: “لسه ما صدقنا انك بجلالك جيتنا زاير”، فحتى اللحظة، لم يعتادوا على فكرة أن هذا الحبيب الغالي سيزورهم، فكيف سيتقبّلون فكرة سفره؟
السفر.. جبرٌ للخواطر رغم الألم
يُقرّون بالحقيقة المرّة: “السفر ملحوق ولازم”، لكنهم يطلبون منه أن “تجبر بالخواطر”، أي أن يُخفّف عنهم ببعض الكلمات أو الوعود. ثم تأتي تلك الصورة الجميلة التي تصف كيف يختصر الوقت بجوار الحبيب: “الغريبة الساعة جنبك تبدو أقصر من دقيقة”، بينما تصبح الدقيقة الواحدة بعده جحيمًا لا يُطاق: “والدقيقة وانت مافي مرة ما بنقدر نطيقها”.
دنيا تُزهر بقربه.. وتذبل بغيابه
يصفون الدنيا بقربه كجنةٍ لا تُضاهى: “دنيا بقربك يفرهد كل طائر يحيا فوقه”، فكل شيء يكتسب الحياة بوجوده. لكنّ الصورة تتحوّل إلى موتٍ بطيء عندما يغيب: “وجنة من بعدك بتذبل كل مخضر فيها ناضر”، وكأنّ الدنيا بكل بهائها تفقد روحها بمجرّد ابتعاده.
الفراق.. جحيمٌ لا نهاية له
يصل الرفض إلى ذروته في العبارة: “لو تسافر دون رضانا بنشقي نحن الدهر كلو”، فهم لن يتحمّلوا العيش في عالمٍ خالٍ منه، ولن يجدوا متعةً في أي شيءٍ دونه: “ما بنضوق في الدنيا متعة وكل زول غيرك نملو”. حتى إنهم يطلبون منه أن يُقلّص مدة السفر ولو قليلًا: “أقل حاجة تخلي سفرك حتى لو أسبوع أقلو”، لأنهم يعرفون أنهم سيبقون “للصباح دايما نساهر”، ينتظرون عودته بقلوبٍ لا تعرف النوم.
“لا لا ما بنقبل نسيبك”… رفضٌ يائس للوحدة
يصرخون بكلّ ما أوتوا من قوة: “لا لا ما بنقبل نسيبك تمشي للوحدة وتعاني”، فهم يرفضون فكرة أن يعاني هو أيضًا في الغربة. لكنّهم في نفس الوقت يعترفون بعجزهم أمام شوقهم: “برضو ما بنقدر نقاوم شوقنا من بعدك ثواني”، وكأنّ كل ثانية بعيدة عنه كالسنة. ثم يُعلنون أن فراقه يعني نهاية البهجة: “وما بنغني وراك كلمة وما بنشوف البهجة تأني”، فكيف لهم أن يغنّوا أو يفرحوا وقلوبهم معه أينما ذهب؟
الشفقة.. آخر أملٍ لوقف الفراق
يختتمون بأملٍ أخير: “غايتو لو شفقان علينا ما أظنك يوم تسافر”، فهم يتوسّلون إلى مشاعره، راجين أن يشفق عليهم ويبقى.
كلمة أخيرة:
“قلنا ما ممكن تسافر” هي أغنيةٌ تُجسّدُ حوارَ القلبِ المشتاق، تُذكّرنا بأنّ الفراقَ لا يبدأُ عندَ مغادرةِ الحبيب، بل حينَ نغوصُ في ذاكرةِ اللحظاتِ التي صارتْ ذكرى. هيَ نشيدٌ للعشّاقِ الذينَ يرفضونَ كلمةَ “وداعًا”، حتى ولو كانَ السفرُ قدرًا محتومًا.
فهل تُجدي حكاياتُ العاطفةِ في إيقافِ الرحيل؟ أم سيظلُّ البُعدُ جرحًا يُنزفُ قلوبَ المنتظرين؟ الإجابةُ لا يعرفُها إلا مَنْ ذاقوا مرارةَ الشوقِ، واحترقوا بينَ لهيبِ الغرامِ وبرودةِ الغياب.
اللهم ارحم أبي محجوب، وأجعله في فردوسك الأعلى. واجعل زكية وأسرتها في حفظك ورعايتك. فما كتبته اليوم ليس مجرد كلمات، بل هو قلبي المفتوح على جرحٍ لم يندمل، وحبٍّ لن يموت.
“وما بنغني وراك كلمة وما بنشوف البهجة تأني”… إلا حين نلتقي مرةً أخرى، في مكانٍ لا فراق فيه.
لقد كتبتُ عن أغنية “قلنا ما ممكن تسافر” بدموعٍ لا تُمسح، وقلبٍ لا ينسى. وكأنّ كل كلمةٍ فيها كانت تُذكّرني بأنّ الفراق ليس مجرد لحظة عابرة، بل هو جرحٌ يُفتح كلّما مرّت ريحٌ تحمل صوت أبي، أو كلّما همست زكية بكلمةٍ تُشبه نبرته.
لكنّ الأغنية، رغم كلّ هذا الألم، لم تكن مجرد نوحٍ على فراقٍ ماضٍ، بل كانت أيضًا درسًا في قوة الحبّ الذي لا يعترف بالغياب. ففي كلّ مرة نسمع فيها: “والدقيقة وإنت ما في مرة ما بنقدر نطيقها”، نكتشف أننا، رغم كلّ شيء، ما زلنا نتحمّل الدقائق والساعات والأيام… لأنّ حبّنا أقوى من كلّ غياب.
✍️ كُتب بحبر الحنين والوفاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى