اعمدة ورأي

تنوير النعمان حبيب الله – – – – – – – – – – أبهى مافي حياتي اليوم انني عائد

تنوير النعمان حبيب الله - - - - - - - - - - أبهى مافي حياتي اليوم انني عائد

تنوير
النعمان حبيب الله
– – – – – – – – – –
أبهى مافي حياتي اليوم انني عائد
—————-
عامان من النزوح في المحروسة، بعيدًا عن تراب الوطن، قريبًا من الشوق، قريبًا من الدعاء الذي لا ينقطع أن تنجلي الغمة وتعود الخطى إلى حيث تنتمي الروح.
خرجنا من السودان مُكرهين بفعل الحرب، نحمل في القلب وجع الفراق، ونحمل في اليد ما تيسّر من أمل. وكانت مصر الحضن الواسع الذي استقبلنا دون سؤال، وفتح لنا أبوابه وقلوبه. لم أشعر يومًا أنني غريب، بل وجدت أخوةً وأحبابًا، ووجوهًا باسمةً تقول قبل اللسان: “أنتم بين أهلكم”.
في بيوت الرحمن… في الجوامع التي لا تعرف جنسية ولا لونًا، تعرّفت على رجالٍ كأنني أعرفهم منذ سنين. صلاةٌ تجمعنا، دعاءٌ يوحّدنا، وسلامٌ يربط بين القلوب قبل الأيادي. وما أدراك ما الجوامع حين تكون مرافئ تعارفٍ وألفة، ومدارس محبةٍ صادقة.
ثم كانت “كافيه الراكوبة”… ملتقى بني جلدتي، نلوذ بها من تعب الغربة، نضحك رغم الوجع، نحلّل أحوال الوطن، ونحلم بساعة العودة. هناك عرفت أن الغربة مهما طالت لا تكسر شعبًا يعرف كيف يصنع من الوجع نكتة، ومن الحنين أغنية.
واليوم…
أنا في طريقي إلى السودان.
إلى الوطن العِشق الذي لم أبدّله يومًا بأي بقعةٍ في العالم. عائدٌ لحضنه، لريحة أهله، لجروفه الممتدة على ضفاف النيل، لدفء شمسه “الحراقّة” التي نعشقها رغم قسوتها. عائدٌ إلى التراب الذي يعرف خطواتي، وإلى سماءٍ تحفظ اسمي في دعائها.
العودة ليست رحلة فقط…
هي نبضٌ يتسارع كلما اقتربت المسافة، ودمعةٌ حارة تختلط بضحكةٍ عريضة، وهي يقينٌ بأن الأوطان وإن أوجعتها الحروب تظل أجمل ما في العمر.
لن أنسى مصر…
لن أنسى فضلها عليّ وعلى كل من نزح إليها. كانت لنا دارًا وأمانًا ورفقة خير. شخصيًا لم أجد منها ما يعكر صفوي، بل وجدت كرمًا واحتواءً ومودةً خالصة. سيبقى لها في القلب مقام الشكر والامتنان ما حييت.
اليوم أودّع المحروسة وفي القلب عرفان،
وأُقبِل على السودان بقلبٍ مليء بالشوق والرجاء.
يا وطن…
جئتك مُحمّلًا بالتجربة، مُثقلاً بالحنين، ومُشرقًا بالأمل.
جئتك لأشارك في تضميد جراحك، وفي إعادة الضحكة إلى وجوه أهلك.
جئتك لأنك البداية والنهاية، وأنت الحكاية كلها.
سلامٌ عليك يا مصر الطيبة وأهلها.
وسلامٌ عليك يا سودان المجد…
ها أنا ذا عائدٌ إلى حضنك،
وأبهى ما في حياتي اليوم… أنني عائد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى