اعمدة ورأي

عامر يوسف العالم يكتب…أزمة الحكم والتبعية: كيف استنزفت الاستقطابات التاريخية السودان؟ وما سبُيل الخروج؟

عامر يوسف العالم يكتب...أزمة الحكم والتبعية: كيف استنزفت الاستقطابات التاريخية السودان؟ وما سبُيل الخروج؟

عامر يوسف العالم يكتب…أزمة الحكم والتبعية: كيف استنزفت الاستقطابات التاريخية السودان؟ وما سبُيل الخروج؟

يتواصل الدعاء يومياً لله رب العالمين أن يعيد الأمن والأمان والاستقرار لربوع السودان، بانتصار كامل وحاسم تحققه القوات المسلحة والمقاومة الشعبية، والقضاء على مغول العصر الذين أطلق عليهم الشعب السوداني اسم “الجنجويد”. إن الجرائم التي ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع تُعد محرمة في كافة الشرائع السماوية والقوانين الدولية، ولا شبيه لهذه القوات المجرمة إلا في كتب التاريخ عند الحديث عن “المغول والتتار” وإغارتهم على عاصمة الخلافة بغداد للاستيلاء على السلطة.
وبالاستقراء والتقصي للحقائق والوقائع التاريخية بعد مضي زهاء سبعة عقود على استقلال السودان (منذ العام 1956م)، يجد كل من يقرأ تاريخ الدولة السودانية الحديثة بوسطية ومنهجية، أن البلاد ابتليت بأحزاب سياسية كانت -وما تزال- تفتقر إلى «الرؤية»، و«الرسالة»، و«الخطط الاستراتيجية النهضوية» التي تمكّن المواطن السوداني من إبراز قدراته الذاتية وتوظيف الموارد البشرية والمادية الهائلة؛ وهي الموارد التي جعلت الخبراء والمختصين يصنفون السودان كـ «سلة غذاء العالم».
تقتضي المنهجية البحثية الإشارة إلى أن تجربة الإسلاميين في الوصول للسلطة محاولةً لوضع استراتيجية قومية شاملة، شهدت استثناءات ومحاولات للاستفادة من هذه الموارد، وسنتعرض لها بالتفصيل عند اكتمال الصورة التوضيحية لما يُراد لهذا البلد من أعدائه، وكيفية الخروج من الأزمات المصنوعة بأيدينا وأيدي الآخرين.
ظلت الأحزاب تتصارع على الحكم وهي تفتقر للمقومات الاستراتيجية، مع ادعائها الزائف الدائم بالإيمان بالديمقراطية البرلمانية والتداول السلمي للسلطة. ومن أشد العوامل التي أسهمت في تدهور الدولة، استعارة أنظمة حكم مستنسخة من تجارب خارجية اختارها الجيل الأول من الوطنيين؛ وهي ذات النماذج الهيكلية التي خلفها الاستعمار لضمان السيطرة على مقدرات الشعوب.
لقد صُممت المناهج التعليمية بدقة لغرس المفهوم الفكري المستورد لدى الأجيال الناشئة في المدارس والمعاهد وفق رؤية المستعمر، بعيداً عن أصول التاريخ والحضارة الإسلامية التي أسهمت في بناء الإنسانية لعقود طويلة حتى إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924م. والتاريخ يؤكد أن السودان لم يتوحد عبر القرون الممتدة إلا تحت ظل حكم يستند إلى الهوية والقيم الجامعة (كالدولة السنارية، وسلطنات دارفور، والثورة المهدية).
تم إيهام النخب الشابة من خريجي معاهد الاستعمار وجامعاته بأنهم قادة التحرر الوطني والبديل المباشر لإدارة البلاد، وتم تسليمهم مقاليد الحكم وفق خرائط جغرافية وضعتها القوى الاستعمارية، مع زرع نقاط نزاع حدودية خلافية يُمكن استغلالها عند الحاجة لإشعال الحروب واستنزاف طاقات الشعوب كلما حاولت الفكاك من سياسات التبعية. كما خضعت المؤسسات التعليمية والتنفيذية لإشراف صمم المخرجات لخدمة هياكل الخدمة المدنية، والجيش، والشرطة، والاقتصاد بما يتماشى مع تلك الأطر الموروثة.
**خارطة طريق وموجهات للخروج من الأزمة الوطنية:**
إن الخروج الناجز من هذه الأزمة المصنوعة يتطلب الانتقال من ردود الأفعال إلى التخطيط الاستراتيجي الشامل عبر المحاور التالية:
* **إصلاح الخدمة المدنية وإعادة الهيكلة الإدارية:** بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والجدارة (الميرتقراطية)، وتحديث الأنظمة الأرشيفية والإدارية لتأمين بيانات الدولة وتطوير الأداء الحكومي بعيداً عن المحاصصات السياسية.
* **صياغة مشروع وطني للهوية والاستراتيجية:** بلورة رؤية قومية جامعة تستوعب التنوع، وتعتمد على مرتكزات الحضارة والقيم الوطنية، وتضع استراتيجية عابرة للحكومات لتوظيف موارد البلاد المادية والبشرية.
* **تأمين حدود الدولة وإدارة العلاقات الدولية برصانة:** مراجعة كافة الملفات الحدودية، وبناء سياسة خارجية متوازنة تقوم على تحقيق المصالح الاستراتيجية العليا للبلاد وحماية سيادتها من التدخلات الأجنبية.
* **إصلاح التعليم وغرس الوعي الأصيل:** تطوير المناهج التعليمية والتربوية لربط الأجيال الشابة بتاريخها وحضارتها، وإعداد كوادر مؤهلة تلبي متطلبات سوق العمل الوطني وتخدم التنمية المستدامة.
* **إسناد المؤسسة العسكرية والأمنية:** دعم القوات المسلحة والمؤسسات النظامية كضامن أساسي لسيادة الدولة والأمن القومي، وبناء منظومة أمنية شاملة تحمي الأرض والمواطن.
✍️إعداد:

ماجستير علاقات دولية – مستشار ومدرب معتمد – خبير ديواني بالخدمة المدنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى