الغناء في حدائق المتصوفة د.أيمن محجوب عبد الله محمد
الغناء في حدائق المتصوفة د.أيمن محجوب عبد الله محمد

الغناء في حدائق المتصوفة
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
حين ندخل حدائق المتصوفة، لا نستقبلها بأعيننا فقط، بل بقلوبنا. هناك، لا يكون الغناء لهوًا عابرًا، ولا صوتًا يطلب التصفيق، بل نسمةً روحيةً تعبر من الحنجرة إلى السماء. إنه ذكرٌ في ثوب لحن، ودمعةٌ متخفية في مقامٍ موسيقي.
عند جلال الدين الرومي لم يكن الصوت غاية، بل وسيلة. كان يرى أن الإنسان إذا ضاق بالكلمات، استعان بالناي، وإذا عجز عن البوح، احتمى بالإيقاع. لذلك قال في إحدى إشاراته: إن اللحن يذكّر الروح بوطنها الأول. فالغناء عنده ليس استدعاءً للعاطفة العابرة، بل استنهاضًا لحنينٍ قديم يسكن أعماق الكائن.
وفي مجالس أبو حامد الغزالي نجد حديثًا متزنًا عن السماع؛ فهو لا يراه محرّمًا بإطلاق، ولا مباحًا بلا قيد، بل يربطه بحال السامع وقصده. فإن حرّك السماع في القلب شوقًا إلى الخير، وزاد في الإيمان، كان محمودًا. وإن أثار الغفلة أو أطلق الشهوة، كان مذمومًا. وهكذا يصبح الغناء مرآةً تعكس ما في القلب، لا صانعًا لما فيه.
أما في حلقات الذكر التي تنتسب إلى مدارس مثل الطريقة القادرية والطريقة الشاذلية، فكان الصوت الجماعي يرتفع بالأوراد والمدائح. تتماوج الأجساد في سكينة، وتتردّد الأسماء الحسنى كأنها قطرات مطرٍ على أرض عطشى. هناك، لا يُقاس جمال اللحن بدقته الفنية، بل بصفائه الروحي، ولا تُطلب الشهرة، بل الحضور مع الله.
الغناء في حدائق المتصوفة يشبه ماء الجدول: إن كان القلب صافيًا، زاده صفاءً، وإن كان عكرًا، حرّك عكره حتى يراه صاحبه. إنه فنٌّ قائم على النية، وعلى التحوّل من ظاهر الصوت إلى باطن المعنى. فالمقام ليس مسرحًا، بل محرابًا؛ والسامع ليس جمهورًا، بل سالكًا في طريق.
قد يختلف الناس حول الغناء في أسواق الدنيا، لكن في حدائق المتصوفة يتحوّل الجدل إلى تجربة. هناك يُختبر اللحن في ميزان الروح، وتُوزن الكلمة بميزان الأثر. فإذا قاد الصوت إلى خشوع، كان تسبيحًا، وإذا قاد إلى غفلة، كان حجابًا.
وهكذا يبقى الغناء في عالم التصوف بابًا من أبواب الذكر، وحديقةً لا تُفتح إلا لمن أراد أن يسمع بقلبه قبل أذنه. ففي تلك الحدائق، يصبح الصوت طريقًا، واللحن دعاءً، والإنسان عابرًا من ضجيج العالم إلى سكينة المعنى.




