تنوير النعمان حبيب الله بولس يمارس الابتزاز السياسي
تنوير النعمان حبيب الله بولس يمارس الابتزاز السياسي

تنوير
النعمان حبيب الله
بولس يمارس الابتزاز السياسي
ما الذي يريده مسعد بولس من السودان؟ سؤال لم يعد ترفاً سياسياً، ولا مجرد فضول صحفي، وإنما سؤال مشروع تفرضه تصريحات الرجل ومواقفه المتبدلة من محطة إلى أخرى.
بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، ظهر خلال الفترة الأخيرة كأحد أبرز اللاعبين الأمريكيين في الملف السوداني. لكنه، وهو يتحدث عن السلام والانتقال المدني ووحدة السودان، يترك وراءه في كل مرة علامات استفهام أكبر من الإجابات التي يقدمها.
في 15 سبتمبر الماضي، خرج الرجل من منتدى الإعلام العربي في دبي ليقول بوضوح إن «لا مستقبل» للبرهان ولا حميدتي في السودان، وإن واشنطن تؤيد انتقالاً مدنياً سريعاً بعيداً عن الرجلين.
وبعد أيام قليلة فقط، كانت واشنطن قد امتنعت عن منح البرهان تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتقارير صحفية ودبلوماسية ربطت عدم صدور التأشيرة بموقف البرهان من مقترح الهدنة الذي حمله بولس، فيما لم تقدم وزارة الخارجية الأمريكية تفسيراً علنياً تفصيلياً لملف التأشيرة.
هنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن نتوقف عندها.
فإذا كان الرجل الذي قيل قبل أيام إنه لا مستقبل له في السودان، يصبح بعد ذلك شريكاً في مأدبة غداء أقامها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في العلمين الجديدة، ثم يخرج بولس ليؤكد من جديد أن الولايات المتحدة متمسكة بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، فمن حق السودانيين أن يسألوا: ما الذي تغير؟
هل تغيرت واشنطن؟ أم تغيرت الظروف؟ أم أن السياسة الأمريكية لا تعرف موقفاً ثابتاً إلا بقدر ما تقتضيه اللحظة؟
في العلمين، تحدث بولس بلغة مختلفة تماماً في نبرتها: دعم الشعب السوداني، الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، الدفع نحو حل سياسي، إنهاء الحرب، ثم إعادة الإعمار والتنمية والانتقال إلى حكومة بقيادة مدنية.
ولست هنا ضد السلام، ولا ضد الانتقال المدني، ولا ضد أي جهد يوقف الحرب ويحقن دماء السودانيين. لكن السلام لا يمكن أن يتحول إلى عصا أمريكية تُرفع في وجه طرف سوداني، ثم إلى غصن زيتون يُمد إليه بعد أيام.
والأخطر أن بولس نفسه قال في يوليو إن التقارير التي تحدثت عن قبول أطراف سودانية لمقترحه للهدنة كانت غير دقيقة، وإن قضايا جوهرية لا تزال محل خلاف، مؤكداً أن أي اتفاق رسمي سيُعلن رسمياً.
إذن نحن أمام مشروع سياسي أمريكي تتغير عباراته، وتتقدم وتتراجع مفرداته، بينما يبقى السؤال السوداني ثابتاً: أين مصلحة السودان في كل هذا؟
يا سيد بولس، السودان ليس ورقة في ملف إقليمي، ولا طاولة تفاوض تنتظر أن يحدد الآخرون من يجلس عليها ومن يغادرها. والسودانيون الذين دفعوا ثمن هذه الحرب دماً ونزوحاً وخراباً، من حقهم أن يعرفوا: هل المطلوب سلام يحفظ السودان، أم ترتيب سياسي يرسم السودان من الخارج؟
أما الطاقية السياسية التي تتغير من محفل إلى آخر، فالسودانيون أصبحوا يرونها بوضوح.
اليوم حديث عن إبعاد الرجلين.
وغداً حديث عن التواصل مع أحدهما.
وبعد غدٍ تأكيد على وحدة السودان وسيادته.
ثم تعود شروط الهدنة إلى الواجهة.
وهنا لا بد من القول إن السياسة ليست عيباً، والتفاوض ليس عيباً، وتغيير التكتيك ليس جريمة. لكن حين تتبدل الرسائل بسرعة أكبر من تبدل الوقائع على الأرض، يصبح من حق الصحافة أن تسأل، ومن حق الشعب السوداني أن يطلب تفسيراً.
بولس يستطيع أن يبدل عباراته كما يشاء، وأن يلبس لكل مناسبة ما يناسبها من خطاب؛ لكن السودان لا يستطيع أن يبدل أرضه وشعبه وسيادته كلما تغيرت موازين السياسة الدولية.
ولذلك فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى واشنطن، وإلى بولس تحديداً، هي أن السودان يريد السلام نعم، ويريد حكومة مدنية نعم، ويريد إنهاء الحرب نعم؛ لكنه يريد كل ذلك بإرادة سودانية، لا بوصفة تُكتب في الخارج ثم يُطلب من السودانيين التوقيع عليها.
فالسلام الحقيقي لا يحتاج إلى ابتزاز، والسياسة الرشيدة لا تحتاج إلى ليّ الذراع، والسودان أكبر من أن يكون مجرد بند في أجندة مستشار أمريكي، مهما كان موقعه وقربه من البيت الأبيض.




