ياسر محجوب الحسين… يكتب : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢٠)
ياسر محجوب الحسين... يكتب : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢٠)

د. ياسر محجوب الحسين… يكتب :
تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢٠)
في هذه الحلقة (٢٠) من «تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية»، تأتي أمواج ناعمة محمّلة بسيرٍ لا تُروى على هيئة منجزات، بل كخبرات صقلتها المهنة وامتحنتها الأخلاق. نتوقّف عند فيصل محمد صالح وعبد الملك النعيم، لا بوصفهما اسمين لامعين في سجل الصحافة، بل كصوتين اختارا أن يمارسا الكلمة على مهل، وأن يحملا الرأي دون أن يجرحا به الآخرين. في زمنٍ صار فيه الضجيج طريقا مختصرا إلى الظهور، يقدّم الاثنان نموذجا مغايرا: صحافة تؤمن بأن الاحترام ليس حيادا، وبأن العقل حين يتقدّم على الصراخ، يترك أثرا أعمق وأبقى. هنا، لا تحتفي «أمواج ناعمة» بالمناصب ولا بالأضواء، بل تُنصت لما يبقى بعد انحسار الموج: أثر الكلمة حين تكون أخلاقا، وحين يصبح الاتزان موقفا.
فيصل محمد صالح
حين تكون الكلمة أخلاقا تجد فيصل محمد صالح وليس هو من أولئك الذين يدخلون إلى المشهد بضجيج، ولا من الذين يرفعون أصواتهم ليُقنعوا الآخرين بأنهم على حق. هو أشبه بنسمةٍ هادئة تعبر ساحةً مكتظة بالصراخ، فتفرض حضورها لا بالقوة، بل بالسكينة. صحفيٌّ علّمته التجربة الطويلة أن الكلمة، حين تُقال باحترام، تكون أبلغ من ألف شتيمة، وأن الرأي لا يحتاج إلى غِلظة ليصير مقنعًا.
عرفه الناس قلما نظيفا، لا يلوّث أفكاره بفجور الخصومة، ولا يستدرج مقارعيه إلى معارك جانبية قائمة على كسر العظام اللفظي. كان – ولا يزال – يكتب كما يتحدث: بتهذيبٍ نادر، ووضوحٍ لا يخلو من عمق، وبأسلوبٍ ناعم يجعل حتى المختلفين معه سياسيا يشعرون بالألفة في حضرته. تختلف معه؟ نعم. لكنك لا تملك إلا أن تحترمه، وربما تُنصت إليه أكثر مما توقعت.
ذلك الأسلوب نفسه مكّنه، على نحوٍ لافت، من البقاء داخل الحقل الصحفي والعمل في ظل نظامٍ سياسي اختلف معه جذريا. لم يكن معارضا صاخبا ولا تابعا صامتا، بل صحفيا يعرف أين يقف، وكيف يقول ما يريد قوله دون أن يفقد احترامه لنفسه أو لغيره. غير أن نعومة الأسلوب لم تكن درعا واقية على الدوام؛ فحين كان الخلاف يتصاعد ويتجاوز حدود الاحتمال، كانت أبواب المعتقلات تُفتح، ليختبر فيصل مصيرا لم ينجُ منه حتى أولئك الذين ظنّوا أن اتفاقهم مع النظام يحصّنهم من بطشه. في ذلك الزمن، لم يكن السجن حكرا على المعارضين، بل احتمالا قائما لكل من اقترب أكثر مما ينبغي من الخطوط الحمراء الكثيفة.
على امتداد أكثر من ٣ عقود شقّ فيصل محمد صالح طريقه في دروب الصحافة السودانية والإقليمية، رئيسًا للتحرير حينا، ومديرًا لمؤسسات إعلامية حينا آخر، ومدافعًا صلبًا عن حرية التعبير في كل حين. لم تكن الصحافة بالنسبة له مهنةً فحسب، بل موقفا أخلاقيا، ولهذا دفع ثمنها اعتقالا وملاحقةً في زمنٍ كان الرأي فيه تهمة، والكلمة الحرة جريمة لا تُغتفر.
وعندما جاءت لحظة التغيير السياسي في أبريل 2019 اختارته حكومة ما بعد التغيير وزيرًا للثقافة والإعلام، بدا وكأن الصحافة نفسها دخلت مجلس الوزراء. تولّى المنصب في واحدة من أكثر الفترات هشاشة واضطرابا، وكان المتحدث الرسمي باسم الحكومة، يحاول عبثا أن يصوغ خطاب الدولة بلغة عقلانية وسط ضجيج سياسي لا يهدأ.
غير أن فيصل، بطبيعته الهادئة ونفوره الفطري من الصراعات الخشنة، لم يبدُ منسجما مع مناخ الاحتراب السياسي العنيف. لم يكن رجل المناورات ولا التسويات الرمادية. وحين شعر أن المشهد يمضي في اتجاه لا ينسجم مع قناعاته، اختار الطريق الأصعب والأكثر نزاهة: الاستقالة. فعلها بهدوئه المعهود، لا ضجيج، لا مزايدة، فقط موقف واضح.
عاد بعدها إلى مكانه الطبيعي: إلى الكتابة، والتحليل، ومخاطبة العقول لا الغرائز. ظهر محللا سياسيا في القنوات الإخبارية، يقرأ المشهد السوداني بعينٍ نقدية وقلبٍ مثقل بالأسى على وطنٍ ينهكه الصراع. في مداخلاته عن الحرب، لم يتورط في خطاب الكراهية.
لم يكن غريبا أن تُتوّج مسيرته بجوائز دولية مرموقة، كجائزة بيتر ماكلر للصحافة الشجاعة والنزيهة، وجائزة بطل حقوق الإنسان من الاتحاد الأوروبي. فالرجل، في جوهره، لم يكن يوما باحثا عن أضواء، بل عن مساحة أوسع للحرية، وعن وطنٍ تُقال فيه الكلمة دون خوف.
فيصل محمد صالح هو ذلك النوع من الرجال الذين يتركون أثرهم بلا ضجيج، وحين يكتب، تشعر أن الكلمات لا تُستخدم كسلاح، بل كجسر، جسرٍ هشّ، لكنه ضروري، بين الحقيقة والأمل.
عبد الملك النعيم
تجد النعيم حين يتقدّم العقل على الضجيج.. في مشهدٍ إعلامي كثير الصخب، يختار الدكتور عبد الملك النعيم أن يسير عكس التيار؛ لا يرفع صوته ليُسمَع، ولا يلوّح بحدة العبارة ليكسب جدلا عابرا. يكتب ويفكّر كما يبتسم: بهدوءٍ راسخ، واتزانٍ يجعل الحوار ممكنًا حتى في أكثر اللحظات توترا. هو من أولئك الذين يؤمنون أن الحُجّة، لا الغِلظة، هي الطريق الأقصر إلى العقول.
أستاذ بجامعة الخرطوم، وصحفيٌّ عرفه القرّاء من خلال عموده «قبل المغيب»، حيث لا يلهث خلف الحدث، بل يتأمّله، ويضعه في سياقه السياسي والاجتماعي والاستراتيجي. مقالاته لا تُكتب لاستفزاز الخصوم، ولا للانجرار إلى مهاترات موسمية، بل تُبنى على المنطق والتحليل، وتُقدَّم بلغة رصينة لا تعرف الإسفاف ولا تستدعي الخصومة.
تكوينه الأكاديمي كان حجر الأساس لهذا المسار؛ فهو أستاذ جامعي في الإعلام، وحاصل على درجة علمية في اللغات من جامعة الخرطوم، وأستاذ للغة الفرنسية، وهي ميزة لم تكن ترفا معرفيا بقدر ما كانت قيمة مضافة حقيقية في مسيرته الإعلامية. عمل مذيعا للنشرة الفرنسية بتلفزيون السودان، فكان حضوره مختلفا، يجمع بين الدقة اللغوية والثقافة الواسعة، ويقدّم نموذجًا للإعلامي المتعدد الأدوات.
في ثمانينيات القرن الماضي، بدأ خطواته المهنية الأولى في وكالة السودان للأنباء «سونا»، ضمن إدارة الإرسال الخارجي، حيث تعلّم مبكرًا كيف يُخاطَب الخارج، وكيف تُصاغ الرسالة الإعلامية بعيدا عن الانفعال وقريبا من الفهم العميق للآخر. لاحقا، تولّى منصب مدير إدارة الإعلام بجامعة الخرطوم، ولعب دورا محوريا في شرح سياسات الجامعة والدفاع عن صورتها العامة خلال فترات بالغة الحساسية.
ومن الجامعة إلى الدبلوماسية الإعلامية، شغل الدكتور عبد الملك النعيم موقع المستشار الإعلامي بالسفارة السودانية في القاهرة، أكبر سفارات السودان وأكثرها حساسية. هناك، أبلى بلاءً حسنا، ونجح في بناء شبكة واسعة من العلاقات المهنية والإعلامية، قائمة على الاحترام المتبادل. لم يكن ممثلا رسميا فحسب، بل واجهة ناعمة للسودان، تُقنع دون ضغط، وتشرح دون تعال.
لا تفارقه ابتسامته حتى في أصعب المواقف، ولا يبدو قابلا للاستفزاز مهما اشتد النقاش. تلك السمة الإنسانية انعكست بوضوح على حضوره الإعلامي؛ فهو ضيف دائم على القنوات الفضائية، محللا سياسيا وخبيرا إعلاميا، يناقش القضايا الكبرى بهدوء.
عبد الملك النعيم ليس من دعاة اللحظة، ولا من فرسان المعارك المؤقتة. هو رجل فكرة، وصاحب موقف هادئ، يؤمن أن الكلمة المتزنة قد لا تُشعل تصفيقا، لكنها تترك أثرا أبقى.
نواصل بإذن الله وبحوله،،،،




