الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكْزة : القبيلة والقبلية بين الإيجابية والسلبية .
الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكْزة : القبيلة والقبلية بين الإيجابية والسلبية .

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكْزة : القبيلة والقبلية بين الإيجابية والسلبية .
على مدار تاريخ البشرية، ظل الإنسان في حاجة ماسّة إلى كيان اجتماعي يحتويه، يؤمّن خوفه، يغني فقره، ويحقق له كينونته وذاتيته ، الإنسان إجتماعي بطبعه وفطرته . فكانت الأسرة، ثم العشيرة، ثم القبيلة التي تُعدّ من أهم الروابط الاجتماعية، إذ تقوم على روابط الدم والنسب، وتشترك في العادات والتقاليد والثقافة. وقد لعبت القبيلة دورًا محوريًا في تشكيل المجتمعات، لا سيّما في الفترات والمناطق التي لم تعرف الدولة المركزية ككيان جامع، أو عندما كانت الدولة ضعيفة وغير قادرة على القيام بوظائفها الأساسية.
* القبلية في جوهرها هي انتماء الإنسان لقبيلته واعتزازه بها، وهي ظاهرة طبيعية تعكس الهوية الثقافية والتاريخية للمجتمع. تظل القبلية إيجابية ما دامت بعيدة عن العصبية العمياء، التي تعني الانحياز غير الموضوعي للقبيلة على حساب الآخرين، مما يولّد الصراعات ويفسد النسيج الاجتماعي. وعندما تتحوّل القبلية إلى تعصب أعمى، فإنها تصبح معول هدم بدلاً من أن تكون أداة بناء وإعمار وسلام اجتماعي.
* لم يكن السودان عبر تاريخه الطويل حالة شاذة عن هذا السياق، بل ظل مجتمعًا قبليًا بامتياز، ولكن بأبعاد مختلفة. واليوم، بالنظر إلى تداعيات الحرب التي تجتاح البلاد، يتّضح أن السودانيين قد تجاوزوا العصبية القبلية السلبية في كثير من المواقف، مع احتفاظهم بالقبيلة كهوية إيجابية تعزز التكافل والتراحم بين مكونات المجتمع. وقد أظهرت هذه الحرب مدى تجانس القبائل السودانية وانصهارها في بوتقة واحدة، بفعل المصاهرة والتعايش المشترك، مما جعلها أقرب إلى مكوّنات أمة واحدة، أو تكاد تكون كذلك.
* تكمن خطورة العصبية القبلية السلبية في قدرتها على إشعال النزاعات وتفكيك النسيج الاجتماعي، كما أنها تعيق فرص التنمية والاستقرار السياسي، وتُضعف سيادة القانون، إذ تُفضّل الولاءات الضيقة على أسس المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات . وقد أدى هذا التعصب في السودان إلى اصطفافات قبلية خطيرة، حيث انحازت بعض المجموعات إلى دعم الميليشيا المسلحة المتمردة وتناصر قبلي عابر للحدود ، مما ساهم في إطالة أمد الحرب وتوسيع رقعة الدمار.
* حتى تكتمل عملية بناء الأمة السودانية، ويتحقق الانتصار على الحرب، لا بد من العمل الجاد على تفكيك العصبية القبلية السلبية، وذلك من خلال :
التعليم والإعلام: نشر ثقافة المواطنة وتعزيز الهوية الوطنية.
ترسيخ العدالة والمساواة: ضمان الحقوق والواجبات المتساوية لكل المواطنين.
القوانين والتشريعات: محاربة التمييز القبلي ومعاقبة كل أشكال التفرقة.
تعزيز الحوار والتعايش السلمي: بناء جسور التواصل بين القبائل لتجاوز النزاعات.
توجيه القبلية نحو الإيجابية: تحويل الروابط القبلية إلى أداة لتعزيز الوحدة الوطنية، بدلاً من أن تكون مصدرًا للفرقة والتشرذم.
* إن بناء دولة حديثة تقوم على أسس المواطنة وسيادة القانون، لا يمكن أن يتحقق في ظل الولاءات القبلية المتعصبة. ولذا، فإن تجاوز هذه المعضلة هو مفتاح النهوض بالسودان، لضمان مستقبل أكثر استقرارًا وتقدمًا، تُحترم فيه الهوية القبلية، ولكن دون أن تكون على حساب الوطن والدولة.
دمتم سآلمين آمنين تآمين لآمين




