د.ملاذ حافظ محمد الحاج حسين يكتب.. قاوم ما تحب، وتحمل ما تكره
د.ملاذ حافظ محمد الحاج حسين يكتب.. قاوم ما تحب، وتحمل ما تكره

د.ملاذ حافظ محمد الحاج حسين يكتب.. قاوم ما تحب، وتحمل ما تكره
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى في سورة البقرة:
{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}
لو تدبرنا في هذه الآية قليلاً لوجدنا أن أهم ما حتثنا عليه هو مجاهدة وضبط النفس وعدم اتباع الهوى.
إذاً ما هي مجاهدة النفس وكيف تكون؟
سأتناول في هذا المقال مجاهدة النفس في ثلاثِ صور أولها مجاهدة النفس في طاعة الله سبحانه وتعالى، وثانيها مجاهدة النفس والصبر على اجتناب المعاصي وأختمها بنموذج من الحياة عن مجاهدة النفس
أولا: مجاهدة النفس على الطاعات: –
تخيل أنك اليوم قررت أن يكون لك ورد يومي من القرآن الكريم تقرأه كل يوم وتستمر عليه إلى يوم الدين، سابقاً كنت تختم ختمة واحدة في السنة وذلك في رمضان فقط ولكن الله هداك لتختم في كل شهر مرة على الأقل..
وهنا يوجد ابتلاء، في الالتزام بالطاعات دائما نبدأ بقوة وعزم ولكن سرعان ما يخفت هذا العزم ونجد نفسنا نحارب من أجل الاستمرارية. هنا تبتلى الأنفس! هنا يظهر الصبر ومجاهدة النفس لتستمر في العهد الذي قطعته مع الله ومع نفسك، فكم من شخص قرر حفظ القرآن الكريم فبدأ ولم يكمل، وكم من شخص قرر الالتزام بالنوافل فواجهته مشكلة الاستمرارية، جاهد نفسك على الالتزام بعهدك، تذكر أنك تفعل هذا لمرضاة الله سبحانه وتعالى وتذكر الأجر العظيم الذي ستجده بإذن الله إذا استمريت بفعل هذا.
ومن الابتلاءات أيضاً وقت انشغالك بمسؤوليات الدنيا، مثال لذلك أيام الامتحانات يأتيك الشيطان فيسوس لك قائلاً: “لديك امتحان في الغد! اترك وردك اليوم وعد إليه بعد نهاية الامتحانات لكي تستثمر وقتك في الدراسة!”
يا صاحبي، تذكر أن هذه الأفكار التي ترتباك ما هي إلا بداية وساوس الشيطان ليضلك عن الصراط المستقيم، مشغوليات ومسؤوليات الحياة لا تنتهي فإن أنت تعذرت كل مرة بمشغولياتك من امتحانات وغيرها فصدقني لن تجد وقتا لوردك وسرعان ما تجد نفسك ابتعدت كل البعد عن طريق الله المستقيم.
يا صاحبي إنها ساعة واحدة فقط في اليوم، انها ساعة تطرح لك البركة في كل اليوم! إنها ساعة كنت ستقضيها فيما لا ينفعك من صياح وتواصل في وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، فاستثمر وقتك فيما يفيدك لا ما لا ينفعك شيئاً!
يا صاحبي إنه والله ما خالط القرآن شيئا إلا باركه! فإن أردت التوفيق والبركة حقا فالتزم بوردك! جاهد نفسك على الطاعات تثاب بأعلى الجنات بإذن الله.
ثانياً: مجاهدة النفس على ترك المعاصي: –
أغلبنا -وإن لم يكن كلنا- لديه تلك العادات السيئة التي يجاهد ويكافح من أجل التخلص منها ولكن سرعان ما يعود لها عند أول إغراء! فهنا مثال آخر لمجاهدة النفس
تخيل أنك شخص مدمن على الأغاني، تحب سماعها وتقضي في ذلك أغلب وقتك ولكن الله هداك لتركها فقررت أنك منذ اليوم ستجتنب كل الأغاني والمعازف، ولكن مهلاً الامر ليس بهذه السهولة! سيأتيك الشيطان يوسوس لك من كل مكان يقول لك “لا بأس بمرة واحدة، لا بأس بأغنية واحدة، هذه آخر مرة!” فإن أنت أطعته جرفك دائما بهذه الإغراءات شيئاً فشيئاً حتى تعود لإدمان الأغاني مجدداً وتنسى عهدك الذي قطعت! أما وإن كنت مقاوماً مجاهداً لنفسك وتعلمت ان تقول لا لنفسك فعندها فزت بعظيم.
يا صاحبي! كلما توسوس لك نفسك بالشر قل لها لا، استغفر ربك مباشرة، تذكر ما عند الله من ثواب وما عنده من عقاب! أشغل نفسك بذكر الله والطاعات، اجعل لنفسك عادة سماع القرآن بدل الأغاني، إياك والانتكاس جاهد قدر ما تستطيع ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله!
ولعلك الآن تقول “إني اجاهد نفسي، ولكن كثيرا ما أخطئ وكثيرا ما أعود لما نهيت نفسي عنه فماذا أصنع؟” أجيبك يا عزيزي بآية واحدة من القرآن الكريم
قال تعالى في سورة الزمر: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
نعم لا تقنط من رحمة الله! جميعنا بشر غير معصومين من الخطأ نخطئ جميعاً ولكن البلاء يكمن هنا، أستستمر في الخطأ أم ستعود لله في كل مرة تائبا خاضعا راجيا مغفرته سبحانه وتعالى! الله يحب عباده الأوابين أي كثيري التوبة الذي إذا ما اخطؤوا وظلموا أنفسهم يعودون مسرعين لرب العباد سائلين المغفرة والرحمة وعدم العذاب
وهنيئا للأوابين!
قال تعالي في سورة ق: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ}
ثالثاً وأخيرًا: نماذج من مجاهدة النفس في الحياة: –
مجاهدة النفس في الدراسة:
كطلاب جامعيين فإن من أقصى طموحاتنا أن نكون أولئك الطلاب المثاليين الذين يدرسون بجد واجتهاد لا يكلون ولا يملون، عازمون، صابرون ومثابرون! لا شك أننا جميعاً نعرف أشخاصاً يتمتعون بهذه الصفات ونتمنى أن نكون مثلهم، نحسبهم أشخاصاً يحبون الدراسة ويجدون فيها متعة كبيرة ولذلك هم متفوقون!
ولكن مهلاً! أتعلم يا صاحبي أنه من الممكن أن يكون هؤلاء الطلاب يكرهون الدراسة حقاً ولا يجدون فيها أي متعة بل من الممكن أن يكونوا سريعي الملل أسرع منك حتى! لعلك الآن تسأل مستحيل! ولكن كيف؟
تمهل يا صديقي وسأجيبك… الأمر كله يكمن في مجاهدة النفس! قرر هؤلاء المتفوقون أن لا يركضوا وراء أهوائهم وما يحبون، قرروا ترك متابعة ما لا يفيد في وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، قرروا ترك التسويف وكل الخدع التي يخدعهم بها عقلهم الباطن من “سنبدأ غدا” وما شابه، وأهم من كل شيء علموا قيمة الوقت، علموا أن الوقت لن يتوقف ولن ينتظرهم فاستثمروا كل دقيقة فيه، قرؤوا مقولة “سنسأل عن هذا الوقت كل ثانية فيه” فعلقت في أذهانهم، علموا أنهم سيسألون يوم الدين فيمَ أمضوا وقتهم وفيمَ أفنوا عمرهم ، فاستحوا أن تكون إجابتهم أن أمضوه في التفاهات وما لا يُرضي الله، فقرروا إشغال أنفسهم بطلب العلم رجاء مرضاته سبحانه وتعالى.
لذا فإن من أهم أسرار التفوق والنجاح بل أهمها حتماً هو مجاهدة النفس! فبها يكون الصبر على المذاكرة وبها يكون التأني وعدم العجلة وبها يكون الالتزام والانضباط وبها يكون عدم الاستسلام وكل هذا بلا شك من أهم صفات المتفوقين!
أختم قولي هذا بقول الله سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
والحمد لله رب العالمين




