اعمدة ورأي

تنوير النعمان حبيب الله هل آن الأوان لحكومة عسكرية مركزية

تنوير النعمان حبيب الله هل آن الأوان لحكومة عسكرية مركزية

تنوير
النعمان حبيب الله
هل آن الأوان لحكومة عسكرية مركزية ؟
————–
منذ اندلاع الحرب، ظل المواطن السوداني ينتظر بارقة أمل تعيده إلى حياته الطبيعية، لكن الأشهر الماضية كشفت عن فجوة واسعة بين التطلعات والواقع. فالحكومة التي جاءت تحت شعارات الأمل وإعادة البناء لم تنجح، حتى الآن، في تقديم إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فلا الخدمات عادت إلى سابق عهدها، ولا الأمن استقر بالصورة المطلوبة، ولا معاناة المواطنين في مناطق الحرب والنزوح وجدت المعالجة التي توازي حجم الكارثة.
وفي الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والخدمية، وتزداد التحديات الأمنية والإدارية، يتصاعد الجدل حول شكل الدولة المطلوب لإدارة المرحلة الانتقالية القادمة. فهل لا يزال السودان يحتمل تعدد مراكز القرار وتداخل الصلاحيات؟ أم أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد تستدعي نموذجاً أكثر مركزية وحسماً في اتخاذ القرار؟
من هنا يبرز سؤال بات يتردد في المجالس السياسية والإعلامية: هل آن الأوان لتشكيل حكومة عسكرية مركزية تتولى إدارة الدولة خلال هذه المرحلة الحرجة؟
أنصار هذا الطرح يستندون إلى عدة مبررات، أبرزها أن البلاد تعيش ظروف حرب تتطلب وحدة القيادة وسرعة اتخاذ القرار، وأن المؤسسات المدنية تعرضت خلال السنوات الماضية إلى حالة من الضعف والتشظي جعلتها عاجزة عن إدارة الملفات المعقدة التي تواجه الدولة. كما يرون أن الأولوية الآن ليست للتنافس السياسي بقدر ما هي لاستعادة الأمن وفرض هيبة الدولة وإعادة الخدمات الأساسية للمواطنين.
في المقابل، يرى معارضو الفكرة أن نجاح أي حكومة لا يرتبط بطبيعتها العسكرية أو المدنية بقدر ارتباطه بالكفاءة والقدرة على إدارة الدولة وتحقيق التوافق الوطني. ويحذر هؤلاء من أن الحكم العسكري، مهما كانت مبرراته، قد يواجه تحديات تتعلق بالقبول السياسي والتمثيل الواسع لمكونات المجتمع السوداني، الأمر الذي قد يضيف تعقيدات جديدة إلى المشهد.
غير أن الواقع الحالي يفرض سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل يمتلك السودان ترف انتظار الحلول المثالية؟ أم أن الضرورة الوطنية تقتضي البحث عن صيغة انتقالية استثنائية تعيد بناء مؤسسات الدولة أولاً قبل الانتقال إلى ترتيبات سياسية أكثر استقراراً؟
ربما لا يكون النقاش الحقيقي حول “من يحكم”، بل حول “كيف تُحكم الدولة”. فالمواطن الذي أنهكته الحرب والنزوح وفقدان الخدمات لم يعد معنيا بالشعارات بقدر ما يبحث عن الأمن والاستقرار والكهرباء والمياه والتعليم والعلاج وفرصة الحياة الكريمة.
إن نجاح أي حكومة قادمة، عسكرية كانت أو مدنية أو مختلطة، سيظل مرهوناً بقدرتها على تحقيق هذه الأولويات، واستعادة ثقة المواطن في الدولة، ووضع السودان على طريق التعافي وإعادة البناء بعد واحدة من أصعب الفترات في تاريخه الحديث.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل الحكومة العسكرية المركزية مخرجاً مؤقتاً تفرضه ضرورات المرحلة، أم أن السودان بحاجة إلى نموذج مختلف يجمع بين الحسم العسكري والكفاءة المدنية في إدارة الدولة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى