بشارة جمعة أرور دبلوماسية الفم المفتوح والتناقضات المربكة
بشارة جمعة أرور دبلوماسية الفم المفتوح والتناقضات المربكة

بشارة جمعة أرور
دبلوماسية الفم المفتوح والتناقضات المربكة
” تُولِّدُ دبلوماسية الفم المفتوح والتناقضات المربكة حالةً يختلط فيها السعي إلى التوضيح بنزعة الارتباك فيتحول الخطاب الرسمي إلى خطاب متقلب لا يعكس موقفاً مؤسسياً موحداً في التعاطي مع المتغيرات والتطورات بقدر ما يكشف عن قلق الموقف نفسه. فليست كل دبلوماسية ثمرة رؤية استراتيجية مستقرة إذ يتشكل بعضها تحت ضغط اللحظة فينفتح فيها الفم السياسي أكثر من انفتاح العقل الاستراتيجي فتتقدم التصريحات على التقديرات وتتقاطع الرسائل بدلاً من أن تتكامل في ظل غياب نظام مؤسسي يضمن الاتساق في المبادئ الأساسية والتمسك بها ووحدة الموقف.”
ولئن فوجئت الحكومة بتبدد توهمها بإمكانية إخفاء الاتصالات والتواصل والتفاهمات السرية البينية،فإنها لم تُدهم حين غرة من أمرها ولم تأتها المفاجأة من حيث لا تحتسب فهي التي تولت كِبْر صناعتها وأدارت مساراتها ودفعتها برعونة سياسية غير متوقعة وسوء تقدير واضح إلى المنزلق الذي تقف عنده اليوم كما تؤكد شواهد شاخصة وصارخة من المنامة وسويسرا وغيرها من المحطات التي لم تعد خافية على أحد.
ومن ثم فإن هذه المفاجأة لا تتسق مع ناموس الأشياء في عصر الأقمار الصناعية والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي وإن اتسقت مع عوز البصيرة الذي تعاني منه ومع قصور القراءة السياسية لمآلات الأفعال قبل وقوعها.
وقد مضى وقت طويل منذ خاب الظن بإمكانية تمرير الاتفاقات الخفية في غفلة من الشعب أو تمرير التفاهمات السرية بعيداً عن أعين الرأي العام إذ أحاط الشعب بالكارثة ورمى المناهضون لها بثقلهم في مواجهتها كما ينبغي أن يتوقع كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
والحال ما ذكرنا إلى يوم الناس هذا فمن البديهيات المنتظرة من الحكومة أن تكون قد رتبت أمرها للتوضيح ولإدارة الأزمة التي صنعتها بيديها ثم ألقت بالبلاد وبنفسها في أتونها وهي أزمة لم تعد شأناً داخلياً خالصاً بل أصبحت ذات امتدادات إقليمية ودولية تتجاوز حدود المناورة المحلية.
وبقراءة مجمل المعطيات المتصلة بهذه الأزمة فلا شك أن التعاطي بشأنها مع المجتمع الدولي الذي أصبح له اليد الطولى في تناولها وتداول كيفية معالجتها يمثل أحد أهم محاور التدخل لإدارة هذه الأزمة إن لم يكن المحور الأهم على وجه الإطلاق سواء اتفق المرء مع هذا الواقع أم اختلف معه لأنه أصبح حقيقة سياسية قائمة وماثلة لا يمكن إنكارها أو تجاوزها بالشعارات والأمنيات وفي هذا السياق تحديداً جاء بيان الآلية الخماسية كأحد أبرز التطورات المفصلية في مسار الأزمة قبل أن يتوسع لاحقاً ليأخذ بعداً دولياً وإقليمياً أوسع عقب انضمام الولايات المتحدة وكل من بلجيكا وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا والنرويج والمملكة المتحدة إلى جانب الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والإيقاد وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة في بيان مشترك أعاد تثبيت مضامينه ومنحه ثقلاً سياسياً مضاعفاً بما جعله إطاراً دولياً واسع التأثير لا مجرد موقف إجرائي محدود.
ولم يقتصر هذا البيان على إعلان دعم مسار سياسي سوداني شامل بل أكد بصورة واضحة دعم تشكيل لجنة تحضيرية للحوار السوداني وضرورة إشراك أوسع طيف من القوى السياسية والمدنية مع التشديد على احترام سيادة السودان ووحدته ورفض أي ترتيبات موازية من شأنها تعميق حالة الانقسام أو تهديد الدولة الوطنية وهو ما أعطى هذه المخرجات طابعاً سياسياً متماسكاً يعكس توجهاً دولياً متنامياً تجاه إدارة الملف السوداني وفق رؤية موحدة نسبياً.
وفي ضوء ما تقدم فإن الارتباك والتناقض اللذين عبرت عنهما دبلوماسية الحكومة خلال الأيام الفائتة حيال غيابها عن مسار انتقال مهام التحضير للحوار من الإيقاد إلى الرباعية ثم إلى الخماسية أمر يستدعي الدهشة والشفقة معاً إذ كان المنتظر أن تكون الحكومة أكثر استعداداً لمثل هذا التطور وأكثر قدرة على استيعاب مقتضياته والتعامل معه بقدر من الاتزان.
ولا نعني بدبلوماسية الحكومة هنا معناها الضيق المتمثل في دور وزارة الخارجية وإنما مفهومها الواسع باعتبارها مجمل المواقف والخطاب والتحرك الحكومي الخاص بالتعامل مع الخارج سواء في الأطر الثنائية أو الجماعية وسواء عبر المؤسسات الرسمية أو عبر الخطاب السياسي والإعلامي الذي يعبر عن توجهات السلطة ويعكس رؤيتها للعلاقات الخارجية وإدارة الأزمات.
وفي المقابل لم يبرز خلال الأيام التالية موقف حكومي متماسك يمكن أن يشكل قراءة واضحة لهذه التطورات وإنما توزعت الرسائل والتصريحات بين الترحيب ببعض مضامين البيانات الدولية والتأكيد على ثوابت السيادة الوطنية ورفض الحكومات الموازية مع قدر كبير من الغموض تجاه بقية عناصر المشهد وهو ما أوجد حالة من التباين في الخطاب الرسمي وأسهم في ترسيخ الانطباع بوجود فجوة بين سرعة التحولات الإقليمية والدولية وبين بطء الاستجابة السياسية الداخلية.
ولقد بلغ ارتباك دبلوماسيةِ الحكومة وتناقضها بالمعنى المذكور ذروته فيما يمكن وصفه من غير تجني ولا مبالغة بحالة اللاموقف تجاه البيانات المشتركة الصادرة عن بعض الدول والآلية الخماسية عقب انعقاد الاجتماع التشاوري حول التحضير للحوار السوداني.
وكما يعلم الجميع فإن هذا الموقف من المجتمعين الإقليمي والدولي لم يكن متوقعاً فحسب بل كان مرتقباً ومتابعاً بلهفة بما ينفي عنصر المفاجأة تماماً ويجعل ما أعقبه من ارتباك أقرب إلى سوء الإعداد منه إلى تعقيدات الحدث نفسه.
وهكذا وبالطريقة ذاتها التي درجت عليها التناقضات المعهودة تصعيداً في الأقوال وتراجعاً في الأفعال راحت الحكومة تلتف بحبال الحرج التي نسجتها بيديها حول عنقها حتى أصبحت أسيرة لخطابها السابق أكثر من كونها أسيرة للوقائع الجديدة.
ومن المعلوم أن من فنيات إدارة الأزمات تهيئة المخرج قبل الوصول إلى لحظة الاختناق بل إن نجاح الإدارة السياسية يقاس بقدرتها على صناعة المخارج قبل أن تستفحل المآزق لا بعد وقوعها غير أن ما جرى يشير إلى أن الحكومة لم تُحسن إعداد ذلك المخرج ولم تترك لنفسها مساحة للمناورة حين تبدلت المعطيات.
ومما يعزز هذا الظن الترحيب المتعجل والاحتفاء الكبير بكل ما يصدر من الدول إياها واعتباره نصراً لدبلوماسيتها ولكن ما هي إلا لحظات حتى تبدأ كمن يسبق لسانه عقله ويفكر بعد أن يتحدث في إطلاق تفسيرات مغايرة أو أوصاف مناقضة الأمر الذي يؤكد أنها كانت تستشعر ثقل الحرج الذي أدخلت نفسها فيه وتتحرى أي مخرج يخفف من وطأته ولسان حالها لسان الحائر الذي يصيح: وجدتها، وجدتها، قبل أن يتأمل حقيقة ما وجد فيعود فيصفه بما ليس فيه من غموض أو التباس وكأن المشكلة ليست في الوقائع وإنما في طريقة قراءتها بعد وقوعها.
وإن أي جهة عندما يبلغ بها الارتباك هذا الحد فإنها لا تصبح مربكة لنفسها وحدها وإنما تصبح مربكة لغيرها أيضاً لأن المتابع يتوقع منها سلوكاً لا يجافي المعقولية كثيراً فإذا به يفاجأ في كل مرة بخلاف ما يتوقع وهذا بالضبط هو الحد الذي تشير إليه الأوضاع الراهنة حيث أصبح التناقض نفسه هو الرسالة والارتباك هو العنوان.
وهكذا غدا هذا الغموض سبباً للحيرة وباتت التصرفات وكأنها تقف أمام بيضة أم كتيتي الواردة في الموروث الشعبي السوداني وتقول الأسطورة: ( إن من يجد بيضة أم كتيتي فإما أن يأخذها فتموت أمه أو يتركها فيموت أبوه) ولعل استحضار هذه الصورة يجسد المأزق الذي وضعت الحكومة نفسها فيه من غير تقدير دبلوماسي رشيد حتى غدت خياراتها جميعاً باهظة الكلفة وأصبحت كل خطوة إلى الأمام أو إلى الخلف تحمل في طياتها حرجاً سياسياً لا يسهل الفكاك منه.
والاستفهام المهم هو من سيمنع بعد ذلك أو يطلب عدم نشر نقد فلان أو تصريحات علان مراعاةً للمصلحة العامة وربما يكون ذلك بعد ثلاثة أو أربعة أو…إلخ أيام من الحدث وبعد أن يكون الحديث قد ملأ مجالس المدينة وتناقلته المنابر ووسائل الإعلام ومنصات التواصل وربما يواجه هذا ذاك بما يكشف حجم التباين داخل أجهزة الدولة نفسها ويؤكد عدم تماسك الحكومة حول المسألة لا في الموقف ولا في المساءلة الأمر الذي يضاعف من ارتباك المشهد بدلاً من احتوائه.
وحتماً سيقول فلان وعلان من جانبنا أو من الجانب الآخر إن هذا الارتباك أمر غير مبرر لأن الخيار العقلاني والواضح هو ما نُسب حقاً أو زوراً ومفاده القبول أو على الأقل الوضوح في تحديد الموقف منذ البداية غير أن السياسة لا تُقاس بحجم الشعارات والوعود وإنما بقدرتها على إدارة الكلفة السياسية وتقليل الخسائر وإبقاء هامش الحركة مفتوحاً.
ولذلك فإن خيط معاوية المطلوب اليوم ليس بين الشعب والسلطة فحسب وإنما أيضاً بين النظام والعم سام وكذلك بين الداخل والخارج ومقتضيات السيادة ومتطلبات الواقعية السياسية لأن الدول لا تعيش ولا تتعامل بالقطيعة الدائمة ولا تمارس الدبلوماسية بالانفعالات وردود الأفعال الظرفية الآنية بل تقوم على حسن تقدير الوقائع واتساق الخطاب مع الممارسة والقدرة على قراءة موازين القوى قبل أن تفرض نفسها على الجميع.
وإزاء التحولات المتسارعة التي تفرضها الجولات التشاورية القادمة حول الحوار السوداني فإن التأخر والتردد لم يعودا مقبولين وأصبح الاستعداد الدبلوماسي المؤسسي الكامل ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل لأن إدارة الأزمات لا تنتظر المترددين…، فالدبلوماسية لا تُدار بالفم المفتوح وإنما تُمارس وفق رؤية استراتيجية واضحة وتُدار بحسن تقدير الوقائع.




