حين تدور الدوائر… دروس التاريخ القاسية د.أيمن محجوب عبد الله محمد
حين تدور الدوائر… دروس التاريخ القاسية د.أيمن محجوب عبد الله محمد

حين تدور الدوائر… دروس التاريخ القاسية
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
في تاريخ الأمم لحظات تتكشف فيها الحقائق بلا أقنعة، لحظات يصبح فيها ما كان يُنكر بالأمس واقعًا لا يمكن الهروب منه. لقد عرف وطني الغالي السودان سنوات قاسية من الحرب والاضطراب، حين تحولت بعض الصراعات إلى ساحة تتداخل فيها الأجندات الإقليمية والمصالح السياسية، فدفعت بلادي الثمن من أمنها واستقرارها.
لقد ظل كثير من السودانيين يرددون أن دعم الجماعات المسلحة أو المليشيات داخل دولة مستقلة يمثل تدخلًا مباشرًا في شؤونها الداخلية وانتهاكًا صريحًا لمبادئ القانون الدولي التي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم استخدام القوة أو الوكلاء المسلحين لزعزعة استقرارها. وكان هذا الموقف يتكرر كلما تصاعد الجدل حول دور دولة الشر في دعم الجنجويد والقحاحيط في تدمير السودان متعمدة هذا الفعل للسيطرة على موارد السودان.
في تلك المرحلة، كان كثيرون في السودان يرون أن استمرار تدفق المال والسلاح والمرتزقة إلى المليشيات يعني إطالة أمد الحرب، وتعميق المأساة الإنسانية، وتمزيق النسيج الاجتماعي لدولة عريقة. ومع ذلك ظلت هذه الحقائق تُقابل غالبًا بالإنكار السخيف من قبل دولة الشر والمضحك في الأمر تطرح نفسها كوسيط رئيسي للحل، رغم أن حقيقة تمويلها للمليشيا كان حاضرًا بقوة في الإعلام الدولي وفي تقارير عديدة.
لكنّ التاريخ كثيرًا ما يعود ليطرح الأسئلة نفسها بصورة أكثر قسوة ووضوحًا. فعندما تتعرض أي دولة لاعتداء أو قصف أو انتهاك لسيادتها، فإنها تسارع فورًا إلى التمسك بمبادئ القانون الدولي، وتؤكد حقها المشروع في الدفاع عن نفسها وحماية أراضيها وشعبها. عندها تتجلى المفارقة بوضوح: فما يُرفض حين يقع على الذات، كان ينبغي رفضه من البداية حين وقع على الآخرين.
واليوم، حين وجدت دولة الشر نفسها في مواجهة هجمات من إيران، واعتبرت ذلك تدخلاً سافرًا في سيادتها وتهديدًا لأمنها، أعلنت على الفور تمسكها بحق الرد بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في هذه اللحظة: هل استحضرت وهي ترفع شعار السيادة وحق الدفاع، ما جرى يومًا للوطن السوداني؟ وهل تذكرت ما لحق بالسودان من تدخلات وصراعات غذّتها سياسات لم تعبأ يومها بسيادة دولة ولا بحرمة دماء شعب؟
إنها لحظة يكشف فيها التاريخ مفارقاته القاسية، ويعيد التذكير بحقيقة بسيطة: أن السيادة التي نطالب بها لأنفسنا، يجب أن نحترمها للآخرين كذلك.
هذه هي المفارقة التي يكررها التاريخ مرارًا: ما نرفضه لأنفسنا يجب أن نرفضه للآخرين أيضًا. فالقانون الدولي لا يكون قانونًا حقيقيًا إلا إذا طُبّق بمعيار واحد، لا بمعايير مزدوجة.
أما بالنسبة للسودانيين، فإن التجربة القاسية التي عاشها البلد منذ اندلاع الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لم تكن مجرد حرب على الأرض، بل كانت اختبارًا عميقًا لفكرة الدولة نفسها: هل تبقى دولة موحدة قادرة على حماية مؤسساتها، أم تتحول إلى ساحة تتصارع فيها القوى المسلحة والولاءات المتعددة؟
وفي خضم هذه المعاناة، ظل مطلب غالبية السودانيين واضحًا: إنهاء الحرب، واستعادة الدولة، ووقف أي تدخل خارجي يزيد من اشتعال الصراع. فالأوطان لا تبنى بالمليشيات ولا بتغذية الحروب بالوكالة، بل تبنى بالمؤسسات الشرعية والاستقرار السياسي.
إن درس التاريخ بسيط لكنه قاسٍ:
من يزرع الفوضى في أرض غيره قد يكتشف يومًا أن الفوضى لا تعرف حدودًا. ومن يشعل نار الصراع قد يجد نفسه مضطرًا يومًا إلى مواجهة ألسنة اللهب نفسها.
وهكذا تدور الدوائر في التاريخ، لا انتقامًا بقدر ما هي تذكير دائم بأن الاستقرار العالمي لا يقوم إلا على احترام سيادة الدول، ورفض الحروب بالوكالة، والتمسك بمبادئ العدالة الدولية للجميع بلا استثناء.




