محمد طاهر علام يكتب.. خطاب الكراهية ومهددات السلم المجتمعي(2) .. مظاهره وآثار إنتشاره
محمد طاهر علام يكتب.. خطاب الكراهية ومهددات السلم المجتمعي(2) .. مظاهره وآثار إنتشاره

على محمد طاهر علام يكتب.. خطاب الكراهية ومهددات السلم المجتمعي(2) .. مظاهره وآثار إنتشاره
تناولنا في مقالنا السابق مخاطر انتشار خطاب الكراهية في المجتمع السوداني ومآلاته بصورة عامة واهمية وضرورة التصدي له كواحد من ابرز الاسباب التي ادت الي تأخر البلاد في كافة الصُّعد. سنتناول اليوم وبصورة اكثر عمقا وتفصيلا مهددات خطاب الكراهية بالتركيز علي سماته ومظاهر انتشاره، وآثاره علي المجتمع والدولة.
في لحظة تاريخية فارقة من عمر السودان، تقف البلاد في مفترق طرق حاسم وحرج. حيث تتداخل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل غير مسبوق، يبرز هنا خطر داهم يهدد كيان الدولة والمجتمع علي حد سواء: خطاب الكراهية
هذا الخطاب الذي يُولِّد الانقسامات ويتغذي من رحم الأزمات وينمو في بيئة الحروب والصراعات لم يعد مجرد كلمات عابرة أو تعبيرات غاضبة، بل اصبح منظومة كاملة من التحريض والتمييز، تعيق اي مسعي نحو السلام والاستقرار والنماء.
اولاً: سمات ومظاهر خطاب الكراهية في السودان:
▪️التحريض العرقي والجهوي:
وهذا يتمظهر من خلال ملامح وسمات مختلفة مثل:
– الإنتشار الواسع للخطاب العنصري الذي ظل يُمجِّد بعض المجموعات الإثنية والعرقية أو القبلية علي المجموعات الاخري، وقد انعكس ذلك بشكل واضح علي آليات توثيق تاريخ البلاد، فالتركيز علي ابراز حراك مجموعات سكانية محددة وتثمين دورها وإغفال دور الآخرين في تشكيل الوجود السوداني اوْغَر الغبن والحَنَق في نفوس الآخرين، وأحدث شرخا عميقا في الهوية الوطنية الجامعة.
– حتي الفنون لم تسلم من هذا السلوك التحريضي والاقصائي (فكوميديا النكات السودانية) والتي يفترض ان تُوحِّد الضحكة وتعزز الوحدة الوطنية، وتنبذ العنصرية، تحولت الي رسائل تحريضية ساخرة تهزأ من لهجات وانتماءات بعينها وتُعْلِي من شأن أخري.
– بالإضافة الي ذلك كثرة اللافتات الدعائية في المحال التجارية والمركبات العامة والتي تمجد الانتماء القبلي، دلالة اخري علي فداحة النزعة العنصرية وتغليب الولاءات الضيقة علي الهوية الوطنية.
– إثارة النعرات القبلية بواسطة عناصر سياسية أو اجتماعية بين قبائل الزرقة والقبائل العربية خاصة في مناطق النزاع مثل دارفور أو كردفان هو ملمح آخر من ملامح التحريض القبلي الذي ادي الي نزاعات طاحنة ترقي الي حروب الابادة الجماعية في بعض الاحيان.
– كما أن التَعمُّد والمبالغة في تحميل مجموعات عرقية محددة مسؤولية كل الأزمات في البلاد يُحفِّز من إنتشار الخطاب التحريضي والإصطفاف العنصري.
▪️التحقير والتقليل من الآخر:
وهذا يبرز جلياً في محاولات البعض من تصوير المجموعات الأخري المختلفة (سواء قبائل أو مناطق أو توجهات فكرية) وكأنها “عدو داخلي”، أو غير مؤهلة بالأساس لأن تكون جزاءً من المجتمع أو الدولة. فالعبارات العنصرية مثل: (من اين اتي هؤلاء؟) ، ( ونحن اشراف وهؤلاء فروخ) ، (ونحن عرب وهم رطّانَة) ، (ونحن اسياد والآخرين عبيد) وغيرها من العبارات التي باتت منظومة ثقافية راسخة تحط من قدر الآخرين وتشرعن التمييز الاجتماعي، فلم تعد هذه العبارات هامشية بل تحولت الي بوصلة تحدد شكل العلاقات وطبيعة التعاملات في المجتمع السودني. الأمر الذي اسس لواقع طبقي بغيض كرس الفوقية والدونية في المجتمع.
▪️استخدام الإعلام كمنصة للكراهية:
للأسف اصبحت بعض وسائل الاعلام والمنصات الرقمية ومنشئي المحتوي الاعلامي واجهات اصيلة لبث الرسائل المليئة بالتحريض والكراهية، مستغلة هشاشة الوعي الإعلامي وغياب الرقابة المجتمعية والرسمية، وتراجع الضوابط المهنية، فبدلا من ان تكون منابر توعية واصلاح تحولت الي التأجيج والتأليب، تنقل الخطاب التحريضي من الهامش الي عمق النقاش العام.
▪️الإستقطاب الديني والمذهبي:
للاسف لم يخلوا الخطاب الدعوي لدينا من مزالق خطاب الكراهية والتحريض ففي احيان كثيرة يتم توظيف الدين كمبرر لعمليات الإقصاء والعنف تجاه الآخر المُختَلِف دينياً أو مذهبياً، كأن يتم إتهام بعض الجماعات بالردة أو الخروج عن الدين فقط لأغراض إقصائية أو سياسية لا غير، فإنتشار خطابات التكفير والسخرية من عقائد ومذاهب الآخرين شاهد خطير علي عملية تحويل الدين من رسالة رحمة وإنسانية الي أداة إستهزاءٍ وقمعٍ واقصاء.
▪️العنف السياسي:
حدة الاستقطاب السياسي والاستقطاب المضاد، له دور كبير في انتشار خطاب الكراهية، فبدلا من مناقشة الاطروحات والافكار السياسية واحترام الرأي الآخر اصبح الاستهزاء والسخرية وتحقير الآخر لازمة للطرح والتحليل السياسي ووسيلة لتبرير المواقف السياسية لدرجة أن الخلافات السياسية بلغت حد العنف المباشر باستخدام السلاح الابيض وغيره في الممارسة السياسية، لدرجة قد تصل الي تقديم الدعم اللوجستي والغطاء السياسي لاطراف النزاع بصورة تعكس مدي الأزمة السياسية في البلاد.
ثانيا: آثار خطاب الكراهية على السلم المجتمعي في السودان:
النتائج الكارثية لإنتشار خطاب الكراهية لا تقف عند حدود الالفاظ والعبارات بل تمتد الي تفكيك الدولة، وهدم المجتمع من الداخل:
▪️إشعال وتغذية النزاعات المسلحة في البلاد. وتأجيج الحروب الاهلية.
▪️تمزيق تماسك المجتمع، وزرع الشك والتربص بين ابناء الوطن الواحد.
▪️عرقلة العدالة الاجتماعية، وتبديد فرص صياغة المشروع الوطني وضياع الهوية الجامعة.
▪️إضعاف مؤسسات الدولة وتبديد مقدراتها ومواردها في الصراعات عوضاً عن التنمية.
إن خطاب الكراهية ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج خيارات خاطئة وسلوكيات مكتسبة يمكن التراجع عنها بالإرادة الواعية والمشروع الوطني الذي يعيد تعريف من نحن؟ علي اسس المواطنة والعدالة والمساواة.
نواصل ..



