30 عاماً في الميزان: قراءة في تجربة حكم الإسلاميين بالسودان إعداد: عامر يوسف العالم ماجستير علاقات دولية – مستشار ومدرب معتمد – خبير ديواني بالخدمة المدنية
30 عاماً في الميزان: قراءة في تجربة حكم الإسلاميين بالسودان إعداد: عامر يوسف العالم ماجستير علاقات دولية - مستشار ومدرب معتمد - خبير ديواني بالخدمة المدنية

30 عاماً في الميزان: قراءة في تجربة حكم الإسلاميين بالسودان
إعداد: عامر يوسف العالم
ماجستير علاقات دولية – مستشار ومدرب معتمد – خبير ديواني بالخدمة المدنية
أولاً: المشهد المتفجر قبل فجر 30 يونيو 1989
وفق تقارير وكالات الأنباء العالمية ومراكز البحث السياسي والاقتصادي في تلك الفترة، لم يستيقظ السودان صباح 30 يونيو 1989 على انقلاب مفاجئ، بل على نتيجة حتمية لأزمة بناء دولة بلغت ذروتها:
سياسياً وحزبياً: حالة من الشلل والسجال العقيم داخل الحكومة الإئتلافية، واستقطاب حاد بين القوى التلقيدية والحديثة، أدى إلى استقالات متكررة وغياب رؤية حقيقية لإنهاء الحرب في الجنوب.
عسكرياً: إنهاك شديد للجيش السوداني في الأحراش الجنوبية، تُوّج بـ “مذكرة القوات المسلحة” الشهيرة في فبراير 1989 التي طالبت بإنهاء العزلة، وتأمين السلاح، أو المضي في خيار السلام.
اقتصادياً واجتماعياً: انهار الجنيه السوداني، وتفاقمت أزمات السلع الأساسية (الخبز والوقود)، ووصل التضخم لأرقام قياسية، مما أدى لغليان شعبي، وإضرابات نقابية شلت المرافق الحيوية.
اقليمياً ودولياً: ضغوط خارجية وتنافس دولي محتدم للاستحواذ على الموقف السياسي في الخرطوم، وسط عزلة إقليمية ومخاوف من امتداد التوترات المجاورة.
في هذا الفراغ الهيكلي، تحركت الجبهة الإسلامية القومية عبر ذراعها العسكري، ليصدر البيان الأول باسم “ثورة الإنقاذ الوطني”.
ثانياً: المشروع الحضاري بين الطموح والتطبيق (1989 – 1994)
لم يكن ما حدث مجرد تغيير نظام، بل إعلان عن إعادة صياغة شاملة للدولة والمجتمع تحت شعار “هي لله” عبر ثلاثة مرتكزات:
1. الشرعية الدينية: إصدار قانون 1991 الجنائي وتطبيق الحدود لتأطير مرجعية الدولة.
2. التمكين الإداري: كخبير ديواني أقول: كانت أسرع عملية إعادة هيكلة للخدمة المدنية؛ أصابت في توحيد مركزية القرار، وأخطأت بتقديم معيار الولاء على الكفاءة، مما أفرغ المؤسسات التاريخية من كوادرها.
3. الاكتفاء الذاتي: طرح شعار “نأكل مما نزرع”، لكن خطط التنمية تصادمت سريعاً مع فرض الحصار الأمريكي عام 1997 والعزلة الدولية نتيجة التوجه الأيديولوجي.
ثالثاً: ما بعد السقوط 2019: تكرار المتوالية التاريخية
عندما سقط النظام في إبريل 2019 بعد ثلاثين عاماً تحت وطأة الأزمة الاقتصادية والغليان الشبابي، وجد السودان نفسه أمام ذات “المتوالية” التي سبقت عام 1989:
تشتت القوى المدنية: عجزت الأحزاب السياسية عن التوافق على برنامج وطني موحد، وانشغلت بالصراعات الجانبية بدلاً من بناء مؤسسات الانتقال.
الثنائية العسكرية-المدنية: أدى غياب الثقة والتنسيق المحكم إلى وضع مقاليد السلطة الفعلية بيد المكون العسكري والقوات الموازية.
الانهيار والمواجهة: تكررت أزمات المعيشة وانكشاف الاقتصاد، وصولاً إلى الانسداد السياسي الكامل الذي فتح الباب أمام الصراع المسلح الراهن.
خلاصة الإطار
إن القراءة المنصفة لتاريخ السودان المعاصر تشير إلى أن المشكلة لم تكن في النص أو الشعار وحده، بل في الأدوات وآليات إدارة الدولة. لقد دخلت الإنقاذ عام 1989 لبناء “المشروع الحضاري” في ظل أزمة انسداد سياسي، وسقطت في 2019 لتعود البلاد إلى ذات نقطة الانسداد.
السؤال المحوري الذي تفرضه هذه التجربة ليس “من المحق ومن المخطئ؟”، بل: كيف نكسر هذه الدورة الخبيثة من الانقلابات والأزمات الهيكلية لبناء دولة المؤسسات؟ يتبع غدا




