ديمقراطية السراويل: بين وهْم الحرية المطلقة وضرورة العقد الاجتماعي دأيمن محجوب عبد الله محمد
ديمقراطية السراويل: بين وهْم الحرية المطلقة وضرورة العقد الاجتماعي دأيمن محجوب عبد الله محمد

ديمقراطية السراويل: بين وهْم الحرية المطلقة وضرورة العقد الاجتماعي
دأيمن محجوب عبد الله محمد
مقدمة:
في ساحة الرأي العام الواسعة، حيث تتصارع الخطابات وتتنازع الرؤى، يبرز أحياناً مشهدٌ يختزل إشكالية العصر برمتها: صراع الحرية المطلقة مع العقل المسؤول. ها هو “المسخرة محمد توريس” أيُّ شخص كان يقفز إلى واجهة الحدث، منادياً بحريته الشخصية كشعار مقدس، بينما يمارس فعلاً يجعل من هذه الحرية أضحوكة مُرّة، ويحول الخطاب التحرري إلى مسخرة عامة.
لا تكمن المفارقة الساخرة في خلع الملابس ذاته، بل في ذلك التناقض الصارخ بين الادعاء الرفيع وممارسةٍ تختزل الإنسان في بعده الجسدي الخام، وتختصر الحرية في فعلٍ انفعالي عابر. إنها الكوميديا السوداء بعينها: أن نرفع لواء التحرر ونحن نخلع كل شيء إلا عباءة الأنانية، أن نطالب بحقوق الفرد ونحن ننسى حقوق الجماعة، أن نتحدث عن الحرية ونحن أسرى نزوة عابرة.
في هذه المسرحية الهزلية، يصبح ” المسخرة محمد توريس ” مهرجاً لا بطلاً، ومستهتراً لا ثائراً. والمأساة الحقيقية ليست في الفعل نفسه، بل في تحويل الحرية ذلك المفهوم النبيل الذي ضحى من أجله الفلاسفة والمفكرون عبر العصور إلى مجرد ذريعة للفوضى، وغطاء للعفوية، ووسيلة لجذب الانتباه عبر صدمة الجسد العاري لا عبر عمق الفكرة المكشوفة.
في ساحة عامة تزدحم بالرجال والنساء والأطفال، يقفز شخص إلى منصة مرتجلة، ويعلن بصوت عالٍ أنه يمارس حريته الشخصية، ثم يشرع في نزع ملابسه أمام الحشود المدوّية. بعض الوجوه تعلوها الدهشة، وأخرى تتحوّر غضباً، فيما تلتفت أمٌّ لتغطي عيني طفلتها الصغيرة. يُطالب المتحدث باسم “الحرية المطلقة”، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين تنتهي حرية الفرد وأين تبدأ حرية المجتمع؟ وهل يمكن وصف هذا المشهد بأنه ممارسة ديمقراطية أم أنه انهيار للعقد الاجتماعي؟
الحرية ليست فراغاً من الضوابط:
الفيلسوف جان جاك روسو قدم مفهوماً أساسياً للعيش المشترك: “العقد الاجتماعي”. نحن كأفراد نتنازل عن جزء من حريتنا الطبيعية في سبيل العيش ضمن مجتمع يحمينا ويضمن لنا حقوقاً أخرى. الحرية في المجال العام ليست “فعل أي شيء” بل هي “فعل لا يضر بالآخرين”. حين يُقلع شخص ملابسه في تجمع به نساء وأطفال، فإنه لا يمارس حريته فحسب، بل يفرض فعلاً جسدياً على حريتهم في العيش بكرامة وأمان، وربما ينتهك براءة الأطفال ويخلق جواً من التهديد والخوف.
ديمقراطية السراويل: استعارة ساخرة لكنها عميقة
لو افترضنا جدلاً أننا نعيش في “ديمقراطية السراويل” حيث يصوت كل فرد على مقدار ما يمكن خلعه من ملابس في الفضاء العام – فهل ستكون النتيجة حرية أم فوضى؟ الديمقراطية الحقيقية ليست حكم الأغلبية فحسب، بل هي أيضاً حماية حقوق الأقلية والضعفاء. في هذه “الديمقراطية الوهمية”، حتى لو وافقت أغلبية النساء على هذا الفعل، تبقى هناك أقلية تشعر بالإهانة والخوف. والأهم، أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون آلية لتبرير الإيذاء أو الانتهاك.
الحرية المسؤولة: عندما تصطدم الحقوق
المجتمعات المتحضرة تدرك أن الحقوق تصطدم أحياناً، وتحتاج إلى موازنة. حرية التعبير مهمة، لكنها لا تغطي خطاب الكراهية. حرية الفرد مقدسة، لكنها تتوقف عند انتهاك خصوصية الآخرين أو إرهابهم. الفعل الذي وصفناه ليس تعبيراً فنياً في فضاء مخصص، ولا ممارسة ثقافية في سياقها المناسب، بل هو فرض لجسد عارٍ على أناس لم يختاروا أن يكونوا جمهوراً لعرضٍ جسدي.
العقد الاجتماعي في خطر:
عندما تتحول الحرية إلى شعار أجوف يغطي الأنانية والفوضى، يصبح العقد الاجتماعي في خطر. المجتمع الذي يتسامح مع انتهاك الحدود الأساسية للكرامة الإنسانية في الفضاء العام هو مجتمع يفقد تدريجياً قدرته على حماية أفراده، وخاصة الأكثر ضعفاً بينهم.
بديل: نحو حرية مسؤولة
الحرية الحقيقية تكمن في قدرتنا على العيش معاً باحترام. يمكن أن نخلع “سراويل” القيود البالية والظلم والاستبداد الفكري، لكننا نحتاج إلى “ملابس” القيم المشتركة والاحترام المتبادل والعقلانية. الفضاء العام يجب أن يكون مكاناً آمناً للجميع، حيث يمارس كل فرد حريته دون أن يتحول إلى مصدر تهديد أو إهانة للآخرين.
الخاتمة:
في النهاية، المشهد الذي بدأنا به ليس ممارسة للحرية، بل هو انهيار للتوازن المجتمعي. إنه ليس انتصاراً للفرد على القيود، بل هو هزيمة للعقل على حساب الأنانية. الديمقراطية ليست حكم “الأنا” المتضخمة، بل هي نظام معقد لموازنة الحقوق والواجبات. وحرية التي ننشدها كمجتمعات عربية وإسلامية وإنسانية، يجب أن تكون حريةً تنبع من الكرامة لا من الفوضى، ومن المسؤولية لا من الانفلات، ومن احترام الآخر لا من تجاهله.
فلنخلع قيود الاستبداد والجهل والتخلف، لكن لنرتدي ثياب الاحترام والحكمة والمسؤولية. هذه هي الحرية الحقيقية، وهذه هي الديمقراطية التي تستحق الاسم.



