Uncategorized

سلسلة: أخلاقيات العمل التطوعي والإنساني في السودان: من الحرب إلى إعادة الإعمار المقال (5): كرامة المستفيد أولًا “أخلاقيات التعامل مع النازحين واللاجئين والعائدين” بقلم : د. مرتضى عبد الحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني

سلسلة: أخلاقيات العمل التطوعي والإنساني في السودان: من الحرب إلى إعادة الإعمار المقال (5): كرامة المستفيد أولًا "أخلاقيات التعامل مع النازحين واللاجئين والعائدين" بقلم : د. مرتضى عبد الحي محمد أحمد باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني يوليو

سلسلة: أخلاقيات العمل التطوعي والإنساني في السودان: من الحرب إلى إعادة الإعمار

المقال (5): كرامة المستفيد أولًا

“أخلاقيات التعامل مع النازحين واللاجئين والعائدين”

بقلم :

د. مرتضى عبد الحي محمد أحمد
باحث ومهتم بقضايا العمل التطوعي والإنساني
يوليو ٢٠٢٦م

مقدمة

في خضم الحروب والأزمات الإنسانية قد تُختزل معاناة الإنسان في أرقام وإحصاءات وتقارير دورية فيُشار إلى الملايين بوصفهم “نازحين” أو “لاجئين” أو “عائدين” بينما تغيب حقيقة أنهم أفراد فقدوا منازلهم وأعمالهم وشبكاتهم الاجتماعية وفي كثير من الأحيان فقدوا شعورهم بالأمان والانتماء.

وتتمثل الرسالة الحقيقية للعمل التطوعي والإنساني في إعادة الاعتبار للإنسان قبل تقديم المساعدة له. فالغذاء والدواء والمأوى ضرورات لا غنى عنها لكنها لا تكفي إذا قُدمت بطريقة تمس الكرامة أو تُشعر الإنسان بأنه مجرد رقم في قوائم المستفيدين.

إن كرامة الإنسان ليست منحة تقدمها المنظمات بل حق أصيل يجب احترامه وصونه في جميع مراحل الاستجابة والتعافي وإعادة الإعمار.

أولًا: الإنسان قبل المشروع

من الأخطاء التي قد تقع فيها بعض التدخلات الإنسانية أن تصبح مؤشرات الأداء والتقارير أهم من الإنسان نفسه.

فعندما يتحول المستفيد إلى رقم لتحقيق مستهدفات المشروع أو إلى صورة في تقرير أو إلى وسيلة لإثبات نجاح البرنامج فإن الرسالة الإنسانية تفقد أحد أهم أبعادها الأخلاقية.

ويجب أن تظل جميع القرارات والبرامج قائمة على سؤال واحد: هل يحفظ هذا التدخل كرامة الإنسان ويعزز حقوقه؟

ثانيًا: احترام خصوصية المتضررين

يفقد الإنسان خلال النزوح أو اللجوء أو الهجرة كثيرًا من خصوصيته ولذلك تصبح مسؤولية المنظمات أكبر في حمايتها.

ويشمل ذلك:

– حماية البيانات الشخصية.
– احترام سرية المعلومات.
– عدم نشر الصور أو القصص الشخصية دون موافقة واضحة.
– تجنب أي محتوى إعلامي قد يسبب الوصم أو الإحراج أو يعرض الأفراد للمخاطر.

فالإنسان المتأثر بالأزمة ليس مادة إعلامية بل صاحب حق يجب احترامه.

ثالثًا: المساعدة حق وليست منّة

ينبغي أن تُقدم المساعدات بروح الاحترام بعيدًا عن أي ممارسات توحي بالاستعلاء أو الإحسان المشروط.

فالمتضرر من الحرب لا يطلب امتيازًا وإنما يحصل على حق تكفله المبادئ الإنسانية والقانون الدولي الإنساني.

ولهذا فإن أسلوب التعامل وطريقة التواصل وآليات التوزيع كلها عناصر تعكس احترام المنظمة للمستفيدين أو العكس.

رابعًا: الإنصاف وعدم التمييز

من المبادئ الأساسية للعمل الإنساني أن تُقدم الخدمات وفقًا للاحتياجات دون تمييز بسبب العرق أو القبيلة أو الدين أو النوع الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الموقع الجغرافي.

وتزداد أهمية هذا المبدأ في المجتمعات الخارجة من النزاعات حيث قد تكون الانقسامات الاجتماعية أكثر حدة ويصبح أي شعور بالتمييز سببًا لتجدد التوتر وفقدان الثقة.

خامسًا: الاستماع إلى صوت المستفيدين

العمل التطوعي والإنساني لا يكتمل بتقديم الخدمة بل يبدأ بالاستماع إلى الناس.

فالمجتمعات المتأثرة تعرف احتياجاتها أكثر من غيرها وتمتلك من الخبرة ما يساعد على تصميم تدخلات أكثر ملاءمة وفاعلية.

ولذلك ينبغي أن تتبنى المنظمات آليات منتظمة للتشاور مع المجتمعات والاستجابة لملاحظاتها وإشراكها في تقييم البرامج وتحسينها.

فالاستماع ليس مجاملة بل جزء من المساءلة الأخلاقية.

سادسًا: حماية الفئات الأكثر هشاشة

تفرض الأخلاق الإنسانية اهتمامًا خاصًا بالفئات الأكثر عرضة للمخاطر ومنهم:

– الأطفال.
– النساء وخاصة الأرامل والناجيات من العنف.
– كبار السن.
– الأشخاص ذوو الإعاقة.
– المصابون بالأمراض المزمنة.
– الأيتام ومن فقدوا معيلهم.

ويجب أن تُصمم البرامج بما يضمن سهولة وصول هذه الفئات إلى الخدمات وإزالة العوائق التي تحول دون مشاركتها الكاملة في جهود التعافي.

سابعًا: العودة الكريمة والآمنة

مع بدء عودة النازحين واللاجئين والمهاجرين ينبغي ألا تُختزل العودة في الانتقال الجغرافي بل يجب أن تكون عودة آمنة وطوعية وكريمة.

ويقتضي ذلك التأكد من توافر الحد الأدنى من الأمن والخدمات الأساسية وفرص كسب العيش بما يحفظ كرامة العائدين ويحد من احتمالات النزوح المتكرر.

كما ينبغي احترام حق الأفراد في اختيار العودة أو البقاء أو الانتقال إلى مكان آخر دون ضغوط أو إكراه.

ثامنًا: السودان… بين التعافي واستعادة الكرامة

أفرزت الحرب في السودان واحدة من أكبر أزمات النزوح في المنطقة وتركت آثارًا عميقة على الأفراد والأسر والمجتمعات.

ولذلك فإن برامج التعافي يجب ألا تقتصر على إعادة بناء المساكن أو الخدمات فقط بل ينبغي أن تشمل استعادة الشعور بالأمان وإعادة دمج المتأثرين في مجتمعاتهم وتمكينهم اقتصاديًا واجتماعيًا بما يحولهم من متلقين للمساعدة إلى شركاء في إعادة البناء.

إن الحفاظ على الكرامة الإنسانية في هذه المرحلة ليس شعارًا بل شرطًا لنجاح أي عملية تعافٍ مستدامة.

تاسعًا: ثقافة الاحترام داخل المؤسسات

لا يمكن لمنظمة أن تحترم المستفيدين إذا لم تحترم موظفيها ومتطوعيها.

فالثقافة المؤسسية القائمة على العدالة والمساواة واحترام التنوع والالتزام بمدونات السلوك تنعكس مباشرة على جودة التعامل مع المجتمعات.

ولهذا فإن الاستثمار في بناء ثقافة أخلاقية داخل المنظمة يمثل استثمارًا في جودة العمل التطوعي والإنساني نفسه.

عاشرًا: نحو ميثاق لكرامة المستفيد

تحتاج المنظمات التطوعية والإنسانية إلى تبني ميثاق واضح يضمن:

– احترام الكرامة الإنسانية في جميع التدخلات.
– حماية الخصوصية والبيانات الشخصية.
– منع جميع أشكال الاستغلال والإساءة.
– ضمان المشاركة المجتمعية.
– توفير آليات فعالة للشكاوى والتظلمات.
– الالتزام بعدم التمييز.
– تعزيز المساءلة أمام المجتمعات المتأثرة.

وسيكون هذا الميثاق خطوة مهمة لترسيخ ثقافة ترى الإنسان غاية لكل عمل لا وسيلة لتحقيق مؤشرات الأداء.

خاتمة

إن القيمة الحقيقية للعمل التطوعي والإنساني لا تكمن في حجم ما يقدمه من مساعدات بل في الكيفية التي يُعامل بها الإنسان وهو يتلقى تلك المساعدة.

فقد تنجح منظمة في توزيع آلاف السلال الغذائية لكنها تخسر رسالتها إذا جُرِّد الإنسان من احترامه أو حُوِّلت معاناته إلى وسيلة للدعاية أو جمع التمويل.

وفي المقابل فإن المنظمة التي تجعل الكرامة الإنسانية أساسًا لكل قرار وتُشرك المجتمعات في رسم مستقبلها وتحترم حقوقها وخصوصيتها تترك أثرًا يتجاوز حدود المشروع وتسهم في بناء مجتمع أكثر ثقة وتماسكًا وقدرة على التعافي.

إن حماية كرامة الإنسان ليست بندًا في دليل إجراءات بل هي جوهر العمل التطوعي والإنساني والميزان الذي تُقاس به مصداقية المنظمات وصدق رسالتها واستحقاقها لثقة المجتمعات التي تعمل من أجلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى