الإمارات وتمويل الجنجويد: الأبعاد الحقيقية خلف الستار دأيمن محجوب عبد الله محمد
الإمارات وتمويل الجنجويد: الأبعاد الحقيقية خلف الستار دأيمن محجوب عبد الله محمد

الإمارات وتمويل الجنجويد: الأبعاد الحقيقية خلف الستار
دأيمن محجوب عبد الله محمد
لم يكن تمويل الإمارات لمليشيا الجنجويد مجرّد صدفة أو مسألة “تحالف عابر”، بل هو جزء من استراتيجية أعمق تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتستهدف في جوهرها إعادة رسم خرائط النفوذ في الإقليم. لفهم هذه الخطوة، لا بد من تفكيك شبكة الأسباب التي تحرّك القرار الإماراتي.
1. السيطرة على الموارد الاستراتيجية في السودان
السودان بلد غني بالذهب، اليورانيوم، الأراضي الزراعية الخصبة، والمياه. الإمارات منذ سنوات تبنّت سياسة توسعية للسيطرة على الموارد في إفريقيا، خاصة عبر واجهات تجارية وشركات أمنية خاصة. الجنجويد، بسيطرتهم على مناجم الذهب في دارفور وغيرها، شكّلوا أداة مثالية للإمارات لتمكين نفوذها الاقتصادي دون الحاجة إلى التدخل العسكري المباشر.
2. حماية خطوط الإمداد البحري عبر البحر الأحمر
الإمارات تسعى لتأمين موطئ قدم دائم على ساحل البحر الأحمر والموانئ السودانية، في إطار منافسة محتدمة مع قوى إقليمية مثل تركيا وقطر وحتى إسرائيل. دعم الجنجويد يوفّر للإمارات قوة برية على الأرض تحمي نفوذها البحري، وتفتح لها الباب أمام السيطرة على الموانئ الاستراتيجية مثل بورتسودان.
3. استخدام الجنجويد كأداة مرتزقة في صراعات خارجية
الإمارات استخدمت الجنجويد سابقًا في حرب اليمن، حيث لعبوا دورًا رئيسيًا في القتال البري، كما استخدمتهم في ليبيا إلى جانب قوات حفتر. هذه المليشيا الرخيصة نسبيًا، والتي لا تتطلب التزامات سياسية ثقيلة، تمثل بالنسبة للإمارات “جيشًا بالوكالة” يمكن توجيهه حسب الحاجة في ملفات المنطقة.
4. كبح التحولات الديمقراطية في السودان
التجربة الديمقراطية في السودان، لو قُدّر لها النجاح، كانت ستشكل نموذجًا مقلقًا لدولة الإمارات التي تخشى عدوى المطالبة بالإصلاح السياسي. دعم مليشيا الجنجويد يضمن بقاء السودان في حالة فوضى تمنع استقرار حكم مدني حقيقي، وتحافظ على بيئة سياسية يمكن التلاعب بها.
5. التحالف مع قوى دولية عبر البوابة السودانية
الإمارات تدرك أن السودان، خاصة في ظل الفوضى، يشكل نقطة التقاء لمصالح قوى دولية مثل روسيا (عبر فاغنر) والغرب (عبر ممرات البحر الأحمر). تمويل الجنجويد يمنح أبو ظبي ورقة ضغط مهمة للتفاوض مع هذه القوى، سواء في صفقات السلاح أو الاستثمارات.
الخلاصة:
تمويل الإمارات للجنجويد ليس مجرّد خطوة دعم لميليشيا متمرّدة، بل هو استثمار استراتيجي طويل المدى يهدف إلى ضمان النفوذ في السودان وعموم القرن الإفريقي، والتحكم في الموارد وخطوط الملاحة، وإبقاء الإقليم في حالة عدم استقرار تخدم مصالحها. لكن هذه السياسة، مهما بدت ناجحة على المدى القصير، تزرع بذور صراعات طويلة الأمد قد تنقلب في النهاية على مموليها.



