اعمدة ورأي

بشارة جمعة أرور الأحزاب التقليدية بين التآكل والاندثار ________________ أزمة الوعي السياسي واضمحلال التأثير

بشارة جمعة أرور الأحزاب التقليدية بين التآكل والاندثار ________________ أزمة الوعي السياسي واضمحلال التأثير

بشارة جمعة أرور

الأحزاب التقليدية بين التآكل والاندثار
________________
أزمة الوعي السياسي واضمحلال التأثير
________________

” تعيش الأحزاب التقليدية في هذه المرحلة اضمحلالاً سياسياً لم تعد فيه مجرد واقع مأزوم داخل المشهد بل بنية تتآكل من الداخل بفعل عجزها عن مواكبة التحولات العميقة التي أعادت تشكيل المجتمع وموازين القوة وفي المقابل تتسع أزمة الوعي السياسي الذي ظل يفسر المتغيرات بأدوات الماضي متجاهلاً أن الرأي العام لم يعد متلقياً سلبياً بل تحول إلى قوة نقدية فاعلة تمارس السياسة والمحاسبة وتُعيد تعريف الفاعلية بين الخطاب والممارسة وبين الشرعية التاريخية وشرعية الإنجاز. ”

السياسة في عالم اليوم لم تعد ساحةً تحتمل الخداع طويلاً ولم يعد الرأي العام ذلك المتلقي السلبي الذي تميل قناعاته بالشعارات والخطب الرنانة فقد غيرت الثورة الرقمية وتراكم الخبرات والتجارب واتساع فضاءات المعرفة طبيعةَ العلاقة بين المجتمع والسلطة وبين المواطن والنخب السياسية وأصبح الوعي العام أكثر قدرة على كشف النفاق السياسي وفضح أوهام الخداع ورصد التناقضات الفكرية والأيديولوجية والتمييز بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية وبين الوعود والحقائق.

غير أن الأحزاب التقليدية ما تزال أسيرة لبنية ذهنية تجاوزها الزمن ومازالت تدير صراع الحاضر بأدوات الماضي وتراهن على رأسمال سياسي أخذ يتآكل بفعل التحولات المتسارعة في بنية المجتمع والوعي العام فهي تكرر الشعارات نفسها وتعيد تدوير الوجوه ذاتها وكأن التاريخ لا يتحرك وكأن الثورة الرقمية وما أحدثته من انفجار معرفي وتراكم في الخبرات والتجارب لم تُعد تشكيل قواعد الفعل السياسي لقد آن لهذه الأحزاب أن تفيق من أوهام الماضي فالمجتمع لم يعد حيث تركته ولم يعد يقبل أن تُقاد بعقليةٍ استنفدت صلاحيته بل تجاوز كثيراً من أنماط التفكير التي لا تزال تلك الأحزاب تتحرك داخلها ولا يمكن أن يُعاد تدوير الماضي وتسويقه كمشروع للمستقبل.

إن الوعي العام أصبح أكثر قدرة على تفكيك السرديات السياسية وكشف التناقض بين الخطاب والممارسة والتمييز بين شرعية قائمة على الكفاءة والإنجاز وأخرى تستند إلى الإرث التنظيمي التقليدي أو الرمزية التاريخية. ولذلك لم تعد أزمة هذه الأحزاب أزمة قيادة أو خطاب فحسب بل أصبحت أزمة فهم وإدراكٍ للتحولات العميقة التي أعادت تعريف مفهوم السياسة نفسها وأعادت توزيع مصادر التأثير والشرعية داخل المجتمع.

وعليه فإن تآكل الأحزاب التقليدية لم يعد مجرد نتيجة لتقلبات المشهد السياسي أو تبدل موازين القوة بل صار انعكاسًاً مباشراً لاضمحلالها وتخلف وعيها السياسي عن مواكبة تحولات المجتمع وهو في جوهره ليس حدثاً طارئاً بل منحى ممتد يعكس أزمة بنيوية في إدراك هذه الأحزاب للتحولات العميقة التي يشهدها المجتمع فما كان يمنحها شرعية البقاء في الماضي لم يعد كافياً في زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة والمعلومة مكشوفة وأصبح الأداء هو معيار الحكم الحاسم بل إن هذا التآكل لم يعد مجرد انعكاس لتقلبات المشهد السياسي أو تبدل موازين القوة وإنما أصبح نتيجة مباشرة لاضمحلال بنيتها الذهنية وتخلف وعيها عن مواكبة هذه التحولات والتغيرات المتسارعة وحين يتجاوزها الوعي العام تجد هذه الأحزاب نفسها مكشوفة وعاجزة وقد تراجعت ثم انزاحت إلى خارج سياق الفعل والتأثير لتفقد قدرتها على التأثير في معادلة المشهد السياسي في مجتمعٍ لم يعد يعبأ بالشعارات البراقة والخطب الرنانة الجوفاء بقدر ما يحاكم النتائج ولا يلتفت إلى الطرح بقدر ما يقيس الأثر.

لذلك، فإن الأزمة لا تكمن في عزوف الجماهير عن الأحزاب التقليدية، بقدر ما تكمن في عجز هذه الأحزاب عن تجديد رؤيتها وإعادة بناء بنيتها الفكرية والتنظيمية وقراءة الواقع بعين المستقبل لا بذاكرة الماضي ومع اتساع الفجوة بين وعي المجتمع ووعي النخب السياسية يغدو اضمحلال هذه الأحزاب نتيجةً طبيعية لمسار طويل من الجمود الفكري لا نتاجاً لمؤامرة أو ظرف استثنائي طارئ.

وهنا يبرز السؤال المفصلي: لماذا تتراجع الأحزاب التقليدية ؟ أهو مجرد تبدل في المزاج الشعبي أم أن المسألة أعمق من ذلك بكثير وتتصل ببنية هذه الأحزاب وبطبيعة عضويتها ووعيها السياسي أم أنها تعود إلى عجزها عن استيعاب التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية التي أعادت تشكيل المجتمع والدولة وموازين القوة ؟

وفي هذا السياق شديد التشابك والالتباس، تتشابك خيوط الأزمة كما تتشابك أذرع الأخطبوط؛ فلا تقف عند حدود التنظيم الحزبي، بل تمتد إلى أزمة القيادة، وجمود الفكر، وفشل تجديد النخب، وسوء تقدير المتغيرات وديناميات التحولات لتفضي في النهاية إلى تآكل الأحزاب التقليدية بين تخلف وعيها السياسي وتسارع تحولات المجتمع.
وبالنظر إلى ما تقدم من متاهات تآكل هذه الأحزاب فإن كل ذراع من هذه الأذرع يمثل سبباً جديداً في إضعاف قدرتها على البقاء حتى صار تأثيرها يتراجع تدريجياً في مقابل صعود قوى جديدة أكثر قدرة على قراءة الواقع والتفاعل مع متغيراته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى