اعمدة ورأي

القحاتة ودمار السودان: حين أصبح الطعن في الجيش عقيدتهم السياسية د.أيمن محجوب عبد الله محمد

القحاتة ودمار السودان: حين أصبح الطعن في الجيش عقيدتهم السياسية د.أيمن محجوب عبد الله محمد

القحاتة ودمار السودان: حين أصبح الطعن في الجيش عقيدتهم السياسية
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
في خضم هذه الحرب التي مزّقت السودان وأدمت قلوب أهله، ظهرت مواقف كشفت حقيقة بعض القوى السياسية التي جعلت من استهداف الجيش السوداني مشروعًا دائمًا، بينما التزمت الصمت المخزي أمام الجرائم المروعة التي ارتكبتها مليشيا الجنجويد بحق المواطنين الأبرياء. فكلما حرّر الجيش مدينة أو قرية من قبضة التمرد، خرجت أصوات معروفة تسارع إلى اتهامه واتهام جنوده، وكأن تحرير الأرض أصبح جريمة، وكأن الدفاع عن الوطن صار ذنبًا لا يُغتفر.
الحقيقة التي يراها المواطن البسيط بعينيه تختلف تمامًا عن الروايات التي تُسوّق في المنابر السياسية والإعلامية. فحين يدخل الجيش إلى منطقة ما، يعود الناس إليها طلبًا للأمان والاستقرار، بينما يفرّ المواطنون من مناطق سيطرة المليشيات هربًا من القتل والنهب والإذلال والانتهاكات التي لا تخفى على أحد. المواطن السوداني لم يعد يحتاج إلى من يشرح له من الذي يحميه ومن الذي يرعبه؛ فالواقع على الأرض أصبح أوضح من كل البيانات والخطابات.
الأكثر إثارة للدهشة هو هذا الكيل بمكيالين الذي تمارسه قحت بكل مسمياتها المختلفة. فحين كان بعض قادة مليشيا الجنجويد يقاتلون ضمن صفوف التمرد، لم نسمع إدانات واضحة وحاسمة لجرائمهم، ولم تُرفع ضدهم الحملات التي نراها اليوم. لكن ما إن أعلن بعضهم الاستسلام أو الانضمام إلى صف الدولة، حتى تحوّلوا فجأة في نظر تلك الجهات إلى “مجرمي حرب” و“رموز للفظائع”. أليسوا هم الأشخاص أنفسهم؟ أم أن المعايير تتغيّر وفق المصالح السياسية فقط؟ هذا التناقض الصارخ يكشف أن القضية عند البعض ليست قضية عدالة أو حقوق إنسان، بل قضية صراع على السلطة ولو كان الثمن تمزيق الوطن وتشويه جيشه.
إن الجيش السوداني، مهما اختلف الناس حول الأداء السياسي في البلاد، يظل المؤسسة الوطنية التي حملت عبء مواجهة التمرد والدفاع عن سيادة السودان ووحدته. والنقد الموضوعي لأي مؤسسة حق مشروع، لكن تحويل كل انتصار عسكري إلى حملة تشويه، مع تجاهل جرائم مليشيا الجنجويد، يطرح أسئلة كبيرة حول النوايا الحقيقية لهذه المواقف. فالوطن لا يُبنى بازدواجية المعايير، ولا بحملات التحريض، ولا بتزييف الحقائق أمام شعب أصبح أكثر وعيًا بما يدور حوله.
لقد أثبتت هذه الحرب أن الشعب السوداني قادر على التمييز بين من يقف مع استقرار الدولة ومن يراهن على الفوضى لتحقيق مكاسب سياسية. والتاريخ لن يرحم من صمت عن الجرائم، ولن يغفر لمن حاول استغلال معاناة الناس لتصفية الحسابات السياسية. السودان أكبر من الأحزاب، وأبقى من التحالفات المؤقتة، وسيظل جيشه رغم الجراح والتحديات رمزًا لسيادة الوطن ووحدته في وجدان ملايين السودانيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى