وداعًا صانع البسمة: رحيل مختار محمد بخيت «الدعيتر» يترك حزنًا عميقًا في قلوب السودانيين د.أيمن محجوب عبد الله محمد
وداعًا صانع البسمة: رحيل مختار محمد بخيت «الدعيتر» يترك حزنًا عميقًا في قلوب السودانيين د.أيمن محجوب عبد الله محمد

وداعًا صانع البسمة: رحيل مختار محمد بخيت «الدعيتر» يترك حزنًا عميقًا في قلوب السودانيين
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
في مساءٍ ثقيلٍ كأن السماء فيه نسيت كيف ترفع رأسها، تسلّل الحزن إلى القلوب دون استئذان، وجاء الخبر الذي لا يُحتمل: رحل مختار محمد بخيت… رحل الذي لم يكن مجرد اسمٍ في قائمة الفنانين، بل كان نبضًا خفيًا في حياة الناس، وضحكةً كانت تأتي في وقتها تمامًا، كأنها تعرف وجعهم أكثر منهم.
لم يكن الخبر عاديًا… كان أشبه بانطفاء مصباحٍ في بيتٍ اعتاد أهله النور. كيف يُمكن لوجهٍ اعتدنا أن نراه حين نحتاج الفرح أن يغيب؟ كيف يختفي صوتٌ كان يخفف عن الناس قسوة الأيام؟ قيل إن أزمةً صحيةً مفاجئة باغتته، وتدهورت حالته بسرعة، فتم نقله إلى المستشفى في محاولةٍ أخيرة لإنقاذه… لكن الأقدار كانت أسرع من كل رجاء، وأقسى من كل دعاء.
رحل مختار محمد بخيت، وترك خلفه صدمةً لا تُوصف، ودموعًا لا تشبه الدموع العادية… دموعًا فيها شيء من العجز، وشيء من الامتنان، وشيء من الحنين الذي بدأ مبكرًا جدًا.
لم يكن “الدعيتر” مجرد شخصية…بل كان حكاية وطنٍ كامل. في الدعيتر، اختصر الراحل ملامح السودان كله: البساطة، العفوية، الطيبة، والسخرية التي تُولد من رحم المعاناة. لم تكن ضحكاته سطحية، بل كانت ذكية، لاذعة، ومشبعة بصدقٍ يجعلها أقرب إلى البكاء منها إلى الضحك.
كان يُجسد الإنسان الذي يتعثر لكنه لا يسقط، الذي يتألم لكنه يبتسم، الذي يرى الحياة قاسية… فيرد عليها بخفةٍ تُربكها.
لكن ما لا يعرفه كثيرون… أن مختار محمد بخيت لم يكن ممثلًا فقط. كان قاصًا بارعًا… حكّاءً من طرازٍ نادر.
كان يعرف كيف يلتقط الحكاية من الشارع، من مواقف المواصلات العامة، من جلسةٍ عابرة بين أصدقاء، ثم يعيد صياغتها بروحٍ تُشبه السحر. لم يكن يسرد القصص ليُضحك فقط، بل ليُبقي الذاكرة حيّة. كان يحكي كما لو أنه يخشى أن تضيع التفاصيل الصغيرة التي تصنع إنساننا.
قصصه لم تكن مكتوبة على الورق فقط… بل كانت تمشي على المسرح، وتظهر في ملامح شخصياته، وتنبض في صوته. كان يحوّل الحكاية إلى مشهد، والمشهد إلى إحساس، والإحساس إلى ضحكةٍ تخفي وراءها ألف معنى.
لقد كان قاصًا يُدرك أن الحكاية ليست مجرد كلمات… بل مسؤولية. مسؤولية أن تُنصف الناس، أن تُشبههم، أن تحفظ ملامحهم من النسيان.
رحلته لم تكن سهلة. لم يولد في صالات الضوء، بل صنع طريقه من العتمة. تنقل بين مدن السودان، من كوستي إلى تندلتي، ومن أطراف الشمال إلى الشرق، يحمل عينيه كعدسةٍ ترصد كل شيء: لهجات الناس، حركاتهم، أحزانهم الصغيرة، وأفراحهم التي تأتي رغم كل شيء. كل تلك الرحلات لم تكن مجرد انتقال… كانت بناءً بطيئًا لفنانٍ يعرف من أين يتحدث، ولماذا يتحدث.
في المسرح، كان حضوره طاغيًا. وفي التلفزيون، كان ظهوره حدثًا. وفي قلوب الناس… كان بيتًا. لم يعتمد يومًا على الضجيج، ولا على التهريج الفارغ، بل صنع لنفسه مدرسةً في الكوميديا الراقية، تلك التي تُضحكك… ثم تتركك تفكر، وربما تبكي دون أن تشعر.
كان يعمل مع كبار الفنانين، لكنه لم يكن يقلّ عنهم شأنًا، بل كان يضيف إليهم. كان حضوره كافيًا ليمنح العمل حياةً أخرى، وكأن روحه كانت أكبر من النص، وأصدق من التمثيل.
وحين رحل… لم يرحل وحده. رحلت معه أشياء كثيرة: ضحكات كانت تنتظر موعدها، قصص لم تُحكَ بعد، وشعورٌ جميل بأن هناك من يفهمنا دون أن نشرح. بكتْه الساحة الفنية، ونعته القلوب قبل البيانات، وتحوّلت مواقع التواصل إلى دفتر عزاءٍ مفتوح، يكتب فيه الناس ذكرياتهم معه… كأن كل واحدٍ منهم كان يعرفه شخصيًا.
لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا… أن بعض الناس لا يموتون كما يموت الآخرون. مختار محمد بخيت واحدٌ من هؤلاء. سيبقى حيًا في كل ضحكةٍ صادقة، في كل مشهدٍ قديم يُعاد، في كل حكايةٍ تُروى بنفس الطريقة التي كان يروي بها الحياة. سيبقى “الدعيتر” يمشي بيننا، يتعثر، يبتسم، ويسخر من قسوة العالم… كأنه يرفض الرحيل حتى بعد أن رحل.
رحم الله مختار محمد بخيت…لم يكن مجرد فنان، بل كان ذاكرةً تمشي على قدمين، وقصةً لن تنتهي، وصوتًا سيظل يُسمع… كلما ضاقت بنا الحياة، واحتجنا أن نضحك كي لا نبكي.



