تنوير النعمان حبيب الله رئيس وزراء بلا حسم… أزمة السودان في كرسي القرار
تنوير النعمان حبيب الله رئيس وزراء بلا حسم… أزمة السودان في كرسي القرار

تنوير
النعمان حبيب الله
رئيس وزراء بلا حسم… أزمة السودان في كرسي القرار
منذ اللحظة التي اعتلى فيها دكتور كامل إدريس مقعد رئاسة مجلس الوزراء، ظن كثيرون أن الرجل سيأتي بعقلية المؤسسات الدولية التي عرفها العالم، وأنه سيعيد ترتيب الفوضى ويضع للدولة ملامح قيادة واضحة. لكن ما إن بدأت عجلة الحكم في الدوران، حتى ظهر أن الرجل محاصر بالحيرة، موزّع بين قرارات مترددة ومواقف مرتبكة لا تشبه الوزن الذي يحمله منصبه.
فبدلاً من أن ينشغل برسم خارطة إنقاذ الدولة، وجد نفسه غارقاً في التفاصيل الصغيرة التي لا تليق برئيس وزراء في لحظة تاريخية خانقة. إعادة مراسلة “الحدث” إلى العمل بقرار شخصي بعد إيقافها، وإقالة وزيرة البيئة بطريقة أربكت المشهد، والتناقض في مواقفه وتصريحاته… كلها إشارات تؤكد أن الرجل يضيع وقته – ووقت البلاد – في سفاسف الأمور بينما الدولة تحتاج إلى قرارات بحجم النار التي تشتعل في أطرافها.
كامل إدريس، الذي صاغ الأنظمة ولوائح المؤسسات الكبرى في الخارج، يبدو هنا وكأنه ينسى أول درس في الحكم: الدولة لا تُدار بالترضيات ولا بالمزاج الشخصي، ولا بالحسم الاستعراضي الذي يشبه العنترية أكثر مما يشبه القيادة.
الحسم الحقيقي يكون داخل المؤسسة، بتقوية القوانين، وبفرض الانضباط الوظيفي، لا بقرارات مفاجئة تشعل الجدل أكثر مما تُطفئ الفوضى.
والمؤسف أن الرجل بدا وكأنه يعيش داخل حالة دفاع دائم، يرد على ردود، ويلاحق ما يُكتب وما يُقال، بدلاً من أن يقود ماكينة الحكم بثقة تجعل الآخرين هم من يركضون خلفه. موقع رئيس الوزراء ليس منصباً بروتوكولياً، ولا منصة استعراض، ولا كرسي تجارب. هو موقع يتطلب وضوح رؤية، وثبات قرار، وجرأة محسوبة لا تهوراً متعجلاً.
ولأن السودان في وضع لا يحتمل الحكومات المرتبكة، فإن كامل إدريس اليوم أمام لحظة مراجعة حقيقية: إما أن يعود إلى شخصيته الدولية الصلبة، وينظف محيطه من الفوضى، ويترك الانشغال بالتفاصيل الصغيرة التي تُسقط هيبة الموقع، أو سيجد نفسه جزءاً من المشكلة لا حلاً لها.
الشعب الذي يقاتل في الجبهات، ويصبر في النزوح والجوع، لا يريد مسؤولاً يراكم الأخطاء. يريد رئيس وزراء يعرف ما يفعل، ويعرف متى يحسم، ويعرف كيف يضع الأمور في نصابها دون صخب، ودون بحث عن بطولة إعلامية.
وإن لم يلتقط الرسالة الآن… فالأخطاء الصغيرة ستصبح كارثة كبيرة، والسودان لم يعد يتحمل سقوطاً آخر في القيادة.




