مؤتمر برلين حول السودان: حين يُدسّ السم في العسل د.أيمن محجوب عبد الله محمد
مؤتمر برلين حول السودان: حين يُدسّ السم في العسل د.أيمن محجوب عبد الله محمد

مؤتمر برلين حول السودان: حين يُدسّ السم في العسل
د.أيمن محجوب عبد الله محمد
في لحظة يُفترض أن تكون فاصلة في تاريخ السودان، ينعقد مؤتمر برلين حول السودان 2026 تحت شعارات براقة: “وقف الحرب”، “حماية المدنيين”، و“دعم المسار السياسي”. لكن خلف هذه العناوين اللامعة، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: كيف يُدعى العالم لمناقشة مصير السودان، بينما تُستبعد حكومته وأطرافه الرئيسية من طاولة الحوار؟
هذا التناقض ليس تفصيلاً عابرًا، بل هو جوهر الأزمة. فالمؤتمر، الذي يُفترض أنه يسعى للسلام، لم يُصمم كمنصة تفاوض حقيقية بين أطراف النزاع، بل كغرفة مغلقة تُعاد فيها صياغة السودان وفق مصالح خارجية. وهنا يكمن الخطر: أن يتحول “السلام” إلى غطاء ناعم لإعادة توزيع النفوذ، لا لإنهاء الحرب.
ما يجري في برلين لا يبدو كجهد صادق لإطفاء النار، بل كإدارة لها من بعيد. تُناقش الخرائط، تُرسم السيناريوهات، وتُحدد الأدوار، بينما الدم لا يزال يسيل داخل السودان. فكيف يمكن لمؤتمر لا يضم الفاعلين الحقيقيين على الأرض أن يوقف حربًا معقدة؟ وكيف يمكن لمن لا يملك السيطرة على بندقية واحدة أن يفرض وقف إطلاق نار؟
الأخطر من ذلك، أن تمثيل السودان في المؤتمر يثير إشكالية الشرعية. فالقوى المدنية المدعوة رغم احترام دورها لا تملك تفويضًا شعبيًا واضحًا، ولا تأثيرًا فعليًا على مجريات القتال. وفي المقابل، يُترك اللاعبون الحقيقيون خارج القاعة، وكأن المطلوب هو صناعة واقع سياسي جديد دونهم، لا التوصل إلى حل معهم.
هنا يتحول المؤتمر من “مبادرة سلام” إلى ما يشبه مشروع “إعادة هندسة سياسية”. يُقال إنه لدعم المدنيين، لكن بأي معايير يتم اختيار هؤلاء المدنيين؟ يُقال إنه لحماية وحدة السودان، لكن دون مواجهة حقيقية للقوى التي مزّقت هذه الوحدة. يُقال إنه لوقف الحرب، لكن دون التطرق بجدية إلى مصادر تمويلها وتسليحها.
إنه بالفعل نموذج كلاسيكي لما يمكن تسميته: دس السم في العسل.
فالمشكلة ليست في عقد مؤتمر دولي فالسودان بحاجة إلى دعم دولي لكن في طبيعة هذا الدعم. عندما يتحول الدعم إلى وصاية، وعندما تُدار الأزمة من الخارج أكثر مما تُحل من الداخل، يصبح المؤتمر جزءًا من المشكلة لا من الحل.
بعض الأصوات ترى أن ما يجري هو محاولة لتثبيت توازنات إقليمية ودولية على حساب السودان، خاصة في ظل الصراع على البحر الأحمر، والموارد الطبيعية، وممرات الهجرة. وفي هذا السياق، يصبح السودان ساحة، لا دولة؛ ملفًا، لا وطنًا.
ولا يمكن تجاهل الشكوك المتزايدة حول أن هذه المؤتمرات بدل أن تُنهي الحرب قد تُعيد إنتاجها بشكل مختلف: عبر فرض ترتيبات سياسية غير قابلة للحياة، أو عبر شرعنة قوى لا تمثل الواقع الحقيقي على الأرض، أو حتى عبر تمهيد غير مباشر لتقسيم النفوذ داخل البلاد.
لكن في المقابل، لا بد من قدر من الواقعية: ففشل المؤتمر لا يعني بالضرورة نهاية المؤامرات، كما أن نجاحه إن حدث لن يكون بالضرورة انتصارًا للسودان. المعيار الحقيقي ليس البيانات الختامية، بل ما إذا كان السودانيون أنفسهم هم من يملكون قرارهم.
السودان لا يحتاج إلى مؤتمرات تُدار باسمه، بل إلى عملية سياسية تُبنى منه.
الخلاصة المؤلمة:
إذا كان مؤتمر برلين عاجزًا عن إشراك أصحاب الحرب في إيقافها، وعاجزًا عن تمثيل الشعب تمثيلًا حقيقيًا، فإنه لن يكون منصة سلام… بل مائدة تفاوض على السودان نفسه.




